تشييع السيد الخامنئي وأسئلة المواقف
يكشف تشييع السيد الخامنئي وأسئلة المواقف مشهداً تاريخياً متفرداً، عزّ نظيره منذ زمن طويل.
فقد أزاح مسرح التاريخ ستارته عن صورة سريالية نادرة.
وخرج الرجل الذي أوقف العالم على أطراف أصابعه خلال الأيام الماضية.
وكان كثيرون يظنون أن سيرته قد طويت.
كما ظنوا أن أثره قد اندثر.
لكنه ظهر في صورة توحي بأنه يستطيل نحو أعنان السماء بامتداد غريب.
الوفود وخريطة المسافات
قدمت الوفود من مختلف أصقاع الأرض إلى لحظات التوديع.
وجاءت لتثبت حضورها بجانب الجثمان المهيب.
وقد أظهرت هذه الصورة المكثفة حجم المسافات التي رسمتها أسئلة المواقف.
وتفاوتت تلك المسافات بين الحاضرين.
فبعضهم كان قريباً من الموقع الذي وقف فيه الشهيد الخامنئي.
وكانت لديه فرصة للرؤية، ولو من بعيد.
المسافة بوصفها موقفاً
كان آخرون بعيدين جداً عن موقع الجثمان.
ولم يستطيعوا رؤيته حتى كخيال أو شبح.
لكن اختلاف المسافة لم يكن مجرد فرق مكاني.
فكل مسافة كانت تساوي موقفاً مع كل شخص.
وبصورة أدق، كانت إجابة نظرية أو عملية عن سؤال من أسئلة المواقف.
وقد اختصر الشاعر هذا المعنى بقوله:
قد تطول الأعمار لا خير فيها
ويجمع الأمجاد يوم قصير
المصالح السياسية والمواقف المبدئية
يفرق هذا الحديث بوضوح بين نوعين من المواقف.
النوع الأول هو الموقف السياسي الذي تفرضه مصالح الدول والشعوب.
وفي هذا المجال، ليس منصفاً أو موضوعياً مطالبة الجميع باتباع مواقف الشهيد الخامنئي حرفياً.
كما أن ذلك لا يبدو حكيماً.
فلكل دولة وأمة مصالحها الخاصة.
لكن الحديث هنا يتعلق بالمواقف المبدئية.
وهي مواقف تمثل مساحة اشتراك عامة.
ولا يفترض أن يكون عليها خلاف أو اختلاف.
وهم انتهاء لحظة الخامنئي
يعتقد كثيرون أن لحظة الخامنئي لم يبق منها إلا سويعات.
ويرون أن المطلوب هو الصبر حتى تنتهي هذه اللحظة.
ثم تطوى صفحة الرجل نهائياً.
وبحسب هذه القراءة، لا تملك المراسم أهمية حقيقية.
ولا يختلف الأمر إن كبرت أو صغرت.
فهي، في نظرهم، لن تنتج واقعاً مؤثراً.
ولهذا، يمكنهم مراقبة أفولها بكل طمأنينة.
عودة الحضور في مسافات جديدة
لكن من ينظر ببصيرة سليمة يرى صورة مختلفة.
ويحتاج ذلك إلى وعي خالٍ من العدوانية والكراهية والانحياز.
فالرجل أعاد فرض حضوره في مسافات جديدة.
وكانت هذه المسافات أكثر صعوبة من الإجابات السابقة عن أسئلة المواقف.
وكأن لسان الحال سيكرر في كل اختبار مشابه:
«أين أنت من الخامنئي؟»
الجغرافيا المرئية والامتدادات الخفية
يبقى الأمر الأكثر أهمية خارج حدود مشهد التشييع المباشر.
فالوجود داخل خريطة أجوبة المواقف لا يقتصر على هذه الجغرافيا.
ولا ينحصر في المسار الذي سيمتد عليه التشييع.
بل توجد امتدادات أخرى غير مرئية.
ويمكن لأفذاذ أن يحضروا داخلها.
ويحدث هذا الحضور بعيداً عن صخب الصورة.


