في فضاء الفكر الشيعي المعاصر، يسطع اسمان بارزان تلاقيا في الروح النقدية واختلفا في السياق والمسار:
-علي شريعتي الإيراني، المفكر الثائر الذي أعاد بعث التشيّع كحركة تغيير اجتماعي.
-وعلي الوردي العراقي، عالم الاجتماع الذي شخّص علل الشخصية العراقية تحت وطأة التناقضات التاريخية.
كلاهما ولد في بيئة اجتماعية معقدة، وكلاهما اختار الاشتباك مع الواقع بدل الاكتفاء بوصفه، لكنهما عبّرا عن ذلك كل بطريقته.
•الخلفية والتكوين المعرفي
ولد علي الوردي عام 1913 في مدينة الكاظمية، وتكوّن في بيئة علمية تقليدية قبل أن ينتقل إلى الغرب ويتأثر بعلم الاجتماع الحديث، خصوصا بآراء ابن خلدون، وديورانت، ووالاس.
أما علي شريعتي، فقد ولد عام 1933 في مشهد، وسط عائلة متدينة وأكاديمية، ودرس في فرنسا متأثرا بالفكر الوجودي واليسار الأوروبي، ثم عاد ليمزج ذلك بالفكر الإسلامي الشيعي الثوري.
الوردي كان عالما وباحثا اجتماعيا مرموقا، بينما كان شريعتي بالإضافة لكونه عالما اجتماعيا، كان أقرب إلى المثقف العضوي الثوري.
الأول اشتغل على المجتمع العراقي، محاولا فهم تمزقاته البنيوية، والثاني أراد إعادة تشكيل الإنسان المسلم، لا عبر الوعظ، بل عبر “تشييع الثورة” و”ثورة التشيّع”.
•الإرث الفكري والتأثير المعاصر
كان لعلي شريعتي تأثير واضح على الثورة الإسلامية في إيران، حيث اعتبره كثيرون أحد أبرز المؤثرين في مسارها، لا بفعل تنظيره فقط، بل بفضل دمجه بين الفكر والدين والثورة.
أما علي الوردي، فقد استحضر اسمه في احتجاجات العراق المعاصرة، خصوصا فيما يسمى بثورة تشرين 2019 !، حيث رفعت بعض شعاراته بوصفه ناقدا جريئا للبنية الاجتماعية.
لكن هذا الاستحضار ـ وإن كان دليلا على بقاء أثره في الذاكرة الشعبية ـ لا يخلو من إسقاطات غير دقيقة.
فحراك تشرين، لم يكن ثورة فكرية ولا اجتماعية بالمعنى العلمي الذي اشتغل عليه الوردي، بل كان أقرب إلى صراع سياسي داخلي اختلط بتدخلات خارجية.
من هنا، فإن تحميل الوردي ما لم يقصده، وربط أفكاره بحركات غير ناضجة فكريا، قد يعدّ نوعا من الظلم الرمزي له، وتبسيطا لرؤيته التحليلية المعمقة.
•المثقف والسلطة: تقاطع الموقف واختلاف الأداة
كلاهما لم يهادن السلطة، شريعتي دخل السجن في إيران الشاه، ومات في منفاه في لندن في ظروف غامضة، بينما كان الوردي يواجه في العراق الملكي والجمهوري حملة شرسة من المحافظين والدينيين بسبب أفكاره التي يعتقد انها تجاوزت الخطوط الحمراء، الدينية والعشائرية.
لكن شريعتي كان أكثر وضوحا في تبنيه لخط الثورة، بينما اكتفى الوردي بدور الناقد التحليلي، دون أن ينخرط في مشروع تغييري سياسي مباشر.
•من سؤال المجتمع إلى مشروع التغيير
الوردي طرح سؤال المجتمع: لماذا نعيش التناقض بين البداوة والحضارة؟ لماذا ينهزم العراقي أمام ذاته؟
شريعتي طرح سؤال التغيير: كيف نحوّل الدين من مؤسسة إلى ثورة؟ كيف نستنهض الإنسان المسلم من غيبوبته التاريخية؟
أنتج الوردي كتبًا تدرّس اليوم في علم الاجتماع العراقي والعربي، منها: مهزلة العقل البشري، وعاظ السلاطين، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي.
بينما أنتج شريعتي كتبًا تحولت إلى وقود للثورة مثل: النباهة والاستحمار، فاطمة هي فاطمة، العودة إلى الذات.
•بين الأسطورة والتجديد: أين يقفان من التراث؟
كلاهما لم يكن تراثيا تقليديا، شريعتي أراد قراءة التاريخ الإسلامي بروح ثورية، وركّز على مظلومية اهل البيت كالإمام علي والامام الحسين (عليهما السلام) كرموز تحررية.
الوردي لم يكن معنيا كثيرا بالتاريخ الإسلامي، بل قرأ التاريخ العراقي من منظور اجتماعي نقدي، فشكك في بعض الروايات وواجه نقدا دينيا واسعا.
•اخيرا: سؤال النهضة بين الشخصي والجمعي
اليوم، بعد مرور عقود على رحيل شريعتي والوردي، ما زالا يثيران الجدل!
– الأول لأن مشروعه لم يكتمل.
– والثاني لأن تشخيصه ما زال قائما.
لكن بين الإثنين، تقف الحاجة إلى مثقف جديد، ينتمي للناس، يشتبك مع السلطة، ويجمع بين التحليل والتغيير.
وفي زمن الانقسام الطائفي والانهيار الاجتماعي، لا نحتاج أن نقدّس شريعتي أو الوردي، بل أن نعيد قراءة أسئلتهما، ونعيد طرح السؤال الجوهري: كيف نفكر، وكيف نغيّر؟


