الإصلاح المصرفي في العراق بين شعارات التمكين وواقع الإقصاء

الإصلاح المصرفي في العراق بين شعارات التمكين وواقع الإقصاء
الإصلاح المصرفي في العراق يعاني من طغيان الشعارات على الواقع، إذ تُستنسخ معايير دولية دون مواءمة محلية، مما يهدد بخروج المصارف الصغيرة، تراجع الثقة، وزيادة الكلف. الإصلاح الحقيقي يتطلب استقلال البنك المركزي، إصلاحات تشريعية، وشمولاً مالياً تدريجياً....

المصرفي بين الخطاب السياسي والواقع العملي     

أعلنت الحكومة العراقية، عبر بيان رسمي، موقفها الداعم لـ”وثيقة الإصلاح المصرفي” التي أعدها البنك المركزي العراقي، مؤكدةً على نهج تشاركي مع المصارف المحلية. ورغم ما يبدو في النص من لغة توافقية ومفردات إصلاحية، إلا أن قراءة علمية متأنية تكشف أن هذه الإجراءات، بصيغتها الحالية، لا تمثل سوى خطاب سياسي تجميلي لا يرقى إلى مستوى التحديات البنيوية التي تواجه النظام المصرفي العراقي.

مشكلة الوثيقة في أصلها

وثيقة الإصلاح المصرفي، كما عرضها البنك المركزي، تعتمد في جوهرها على استنساخ معايير دولية (Basel III، ومتطلبات الشريك الاستراتيجي) دون مواءمة حقيقية مع الواقع العراقي، الذي يعاني من:

  • هيمنة الاقتصاد الريعي واعتماده شبه الكلي على الإيرادات النفطية.
  • هشاشة البيئة القانونية وضعف تنفيذ العقود.
  • ضعف البنية التحتية التقنية والأمن السيبراني للمصارف.

وبالتالي، لا يمكن تطبيق المعايير الدولية دفعة واحدة في بيئة لم تكتمل فيها أسس العمل المصرفي التجاري والاستثماري الحقيقي.

لغة “التشاور” كأداة لتأجيل الصدام

إصرار الحكومة على تشكيل لجان فنية مشتركة بين المصارف والبنك المركزي قد يبدو إيجابياً، لكنه في الواقع إجراء لامتصاص الاعتراضات وتأجيل القرارات الصعبة، خصوصاً في قضايا حساسة مثل:

  • زيادة رأس المال وفق جداول زمنية صارمة.
  • إلزام المصارف بالشريك الاستراتيجي الأجنبي.
  • تحميل المصارف كلف عقود خارجية لا تتناسب مع عوائدها الفعلية.

التجربة العراقية أثبتت أن اللجان التشاركية كثيراً ما تتحول إلى غرف انتظار بيروقراطية، وليست أداة حقيقية للإصلاح.

غياب المؤشرات الكمية والجدول الزمني الواقعي

لم يتضمن البيان الحكومي أي معايير أداء (KPIs) أو جداول زمنية مرنة مرتبطة بواقع السوق.

الاكتفاء بعبارات مثل “نهج متوازن” و “تدرج في التنفيذ”، دون ترجمتها إلى أرقام وخطط زمنية، يعني أن الوثيقة عرضة لأن تصبح حزمة نوايا بلا إلزام فعلي.

المخاطر الاقتصادية لفرض إصلاحات غير متكيفة

التطبيق الحرفي لمتطلبات مثل رفع رأس المال أو التعاقد مع شركات خارجية قد يؤدي إلى:

  • خروج مصارف محلية صغيرة ومتوسطة من السوق، ما يقلل المنافسة ويزيد هيمنة المصارف الكبرى.
  • تراجع ثقة المودعين إذا فُهمت الإجراءات على أنها مقدمة لإقصاء أو تصفية.
  • زيادة الكلف التشغيلية للمصارف، مما ينعكس في رفع أسعار الخدمات المصرفية على الأفراد والشركات.

الإشكالية الجوهرية غياب الإصلاح الهيكلي للدور الحكومي

حتى لو طُبقت الوثيقة حرفياً، فإن النظام المصرفي العراقي سيبقى معطلاً إذا لم تُعالج الإشكاليات التالية:

  • ضعف استقلالية البنك المركزي أمام الضغوط السياسية.
  • استمرار هيمنة المصارف الحكومية على السيولة والتحويلات الكبرى.
  • محدودية النفاذ المالي للسكان، حيث نسبة الشمول المالي أقل من 25%.
  • غياب ربط الإصلاح المصرفي بالإصلاح الاقتصادي الكلي، خاصة في الضرائب، الاستثمار، وتنويع مصادر الدخل.

إن الوثيقة، بصيغتها الحالية، ليست سوى خطاب توافقي لإرضاء جميع الأطراف، دون أن تقدم حلولاً عملية لمشكلات عميقة ومتجذرة. الإصلاح المصرفي الحقيقي يتطلب:

  1. إصلاح تشريعي يضمن استقلالية البنك المركزي ويعزز الرقابة على المصارف.
  2. خطة خمسية تدريجية لمواءمة المعايير الدولية مع الواقع المحلي.
  3. تحفيز الابتكار المصرفي المحلي بدلاً من الاعتماد على شركات أجنبية بكلف عالية.
  4. ربط الإصلاح المصرفي بإستراتيجية شمول مالي وطنية لزيادة قاعدة العملاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *