كارثة التلوث البيئي في العراق بسبب انبعاثات الغاز المحترق

كارثة التلوث البيئي في العراق بسبب انبعاثات الغاز المحترق
يوثّق النص كارثة التلوث في جنوب العراق بسبب حرق الغاز المصاحب، وما نتج عنه من ارتفاع الإصابات بالسرطان والأمراض التنفسية. يحمّل الشركات النفطية والسلطات الفاسدة المسؤولية، ويدعو لتحرك شعبي وقانوني لوقف هذا الخطر البيئي والصحي....

شاهدت وثائقي جديد من إنتاج قناة DW  الألمانية، سلط الضوء على التلوث في المناطق النفطية في جنوب العراق، حيث يستعرض تزايد معدلات الإصابة بالسرطان في المناطق القريبة من حقول النفط، خاصة في مدينة البصرة. وقد سجلت نسبة الإصابة بالسرطان في البصرة زيادة بنسبة 20% بين عامي 2015 و2018 بسبب تلوث الهواء.

قام الباحث البيئي العراقي شكري الحسن بإرسال اختبارات التلوث وعينات البول من 32 طفلاً عراقياً إلى المملكة المتحدة وبلجيكا. وأظهر الفيديو خبير التلوث في كلية لندن، فرانك كيلي، الذي تحدث عن نتائج اختبارات عينات التلوث في المناطق النفطية بالعراق. وكشف أن نسب مركب البنزين تراوحت بين 3 و9.6 ميكروغرام في المتر المكعب، بينما ذكرت منظمة الصحة العالمية أنه لا توجد نسبة آمنة لمركب البنزين، حيث أن التعرض طويل الأمد له مرتبط بظهور أنواع معينة من السرطان، مثل سرطان الدم النخاعي الحاد.

خطر البنزين والهيدروكربونات

من جهة أخرى، أوضحت الأخصائية في طب أورام الأطفال بجامعة كولومبيا، مانويلا أورخيلا، أن عينات بول الأطفال المأخوذة من المناطق المتاخمة للحقول النفطية تحتوي على نسبة عالية من الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات وصلت إلى 8.77 ميكروغرام. وتشير الدراسات إلى أن التعرض المبكر لهذه الهيدروكربونات له صلة بالإصابة بالسرطان.

تحدث الوثائقي أيضًا عن الطفلة فاطمة، التي أُصيبت بسرطان الدم نتيجة التلوث، ووثق وفاتها في نهايته. وأشار إلى أن أغلب وفيات مرضى الجهاز التنفسي في هذه المناطق ناجمة عن تلوث الهواء. كما أكد أحد الشهود في الفيديو أن شعلات النفط تجعلهم يشعرون بالاختناق، مما يضطرهم إلى إغلاق أبواب منازلهم من الأسفل لتقليل تسرب الهواء الملوث، رغم أن المسافة بينهم وبين الحقول النفطية لا تتجاوز 2 كيلومتر، في حين ينص القانون العراقي على أن تكون المسافة على الأقل 10 كيلومترات.

تقصير الشركات والسلطات

وفي سياق آخر، ظهر صحفي غربي استقصائي من منظمة السلام الأخضر يُدعى جو ساندلر كلارك، حيث أشار إلى أن الشركات النفطية العاملة في العراق لا تقدم أي معلومات عن نشاطاتها وتأثيرها على البيئة ولا عن انبعاثات حرق الغاز. وبيَّنت بيانات الأقمار الصناعية أن معدل الحرق السنوي لشركة بريتش بتروليوم في عام 2021 بلغ 4 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون عالميًا، مشيرًا إلى أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير لو شملت أرقام حقل الرميلة.

كما أفاد أحد المخبرين في شركة بريتش بتروليوم لمعدي الوثائقي في قناة دي دبليو الألمانية بوجود تضارب مصالح بين الشركة البريطانية وشركة شل التي حاولت استثمار الغاز المهدور، إلا أن بريتش بتروليوم رفضت ذلك خوفًا من تقليل إنتاج النفط وأرباحها.

وأشار الباحث البيئي العراقي الأستاذ شكري الحسن إلى أنه تم منعه أحيانًا من البحث في المنطقة، كما رُفض طلبه لتصوير حقل الرميلة لمنع تشخيص حالات التلوث. وأوضح شاهد آخر (علي)، الذي أُصيب بسرطان الدم، أن العديد من سكان المنطقة يعانون من نفس المرض وأنهم يخشون الحديث عنه خوفًا من الترحيل.

وفي نهاية الوثائقي، أشار التقرير إلى وثيقة داخلية في حقل الرميلة تنص على أن مالك مصدر الانبعاثات يتحمل تكاليف الأضرار التي تلحق بالبيئة والصحة، وأن المتضررين من التلوث يحق لهم قانونًا الحصول على تعويضات لكن لا أحد يعوضهم. كما ذكر أن عملية حرق الغاز في حقل الرميلة هي الأكثر في العالم وفقًا للبنك الدولي.

تتجلى خطورة التلوث البيئي في العراق من خلال ارتفاع معدلات الأمراض الخطيرة وتدهور صحة السكان في المناطق المتاخمة لحقول النفط. إن التصدي لهذه المشكلة يتطلب جهوداً مشتركة من الحكومة والشركات النفطية والمجتمع الدولي لحماية البيئة وصحة المواطنين.

إن السلطة السياسية الفاسدة في العراق، التي لا تهتم بصحة مواطنيها وإنما بالريع والمكاسب الشخصية وتسليط الشركات الأجنبية النفطية الجائرة على رقاب الناس، تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الاستهتار بصحة الإنسان. لذا، يجب أن يكون هناك موقف جماهيري كبير لوقف هذا السم القاتل الذي يفتك بالأطفال والمجتمع في العراق. على الناس أن يدركوا أن الوضع لن يتغير إلا بإرادة شعبية صارمة وحراك اجتماعي ضد الشركات والسياسات النفطية المدمرة للبيئة. لقد شاهدت الوثائقي بالصدفة وصدمني حقاً، وأتمنى أن أكون من المساهمين في نشره على نطاق واسع. لذا، أرجو من الأصدقاء في صفحتي، خاصة المختصين والمهتمين بالبيئة الذين لديهم قاعدة اجتماعية واسعة، أن ينشروا رابط الوثائقي ويحثوا الناس على التصدي لهذا القاتل الهوائي الخطير من خلال تحركهم الجماعي ورفع شكاوى رسمية ضد الشركات العاملة وضد المسؤولين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *