من ممرات القوقاز إلى سواحل المتوسط… معركة الوجود تقترب
في الشرق الأوسط، بات الوقت لا يقاس بالساعات ولا بالأيام، بل بنبض الأحداث التي تقرب المسافات بين الحرب والسلام.
اليوم، تقف إيران ومحور المقاومة أمام مشهد إقليمي ودولي شديد التعقيد:
-طوق يتشكل من القوقاز إلى الخليج، وحرب مع الغرب وإسرائيل كسرت فيها خطوط حمراء تاريخية.
-واستعدادات ميدانية تراكمت وقد تتحوّل في أي لحظة إلى شرارة مواجهة شاملة.
وليس السؤال، هل المواجهة قادمة، بل كيف ومتى وبأي شكل ستندلع، خصوصا مع تسارع الإشارات الميدانية والدبلوماسية التي توحي بأن الساحة تتجه نحو مواجهة غير مسبوقة.
•الطوق القوقازي… زنغزور كخط مواجهة جديد:
اتفاق “ممر ترامب” بين أرمينيا وأذربيجان، لم يكن مجرّد ترتيبات عبور تجاري، بل خطوة استراتيجية لفك قبضة إيران وروسيا عن خطوط المواصلات الحيوية في جنوب القوقاز.
الممر، الذي يربط باكو “بنخجِوان” بإدارة ورعاية أميركية، يختصر الزمن نحو أوروبا، لكنه يطوّق طهران جغرافيا ويقطع ورقة ضغط لطالما استخدمتها في إدارة توازنات الشمال.
هذا الممر ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو جزء من هندسة أوسع تستهدف إعادة ترتيب ميزان القوى في القوقاز وآسيا الوسطى، بما يتيح للغرب تضييق الخناق على روسيا من جهة، وعلى إيران من جهة أخرى، وصولا إلى التأثير غير المباشر على الصين من خلال الحد من مشاريع الربط البري.
بالنسبة لطهران، هذا التطويق الجيوسياسي يمثل تحديا وجوديا، لأنه يضعها أمام خيارين:
-إما القبول بالانكماش الجغرافي والسياسي.
-أو الرد بتوسيع ساحات الاشتباك لتخفيف الضغط.
•كسر الخطوط… من الضربات الخفية إلى المواجهة المباشرة:
حرب الــ “12” يوم لم تكن كسابقاتها، إسرائيل قصفت العمق الإيراني باستخدام طائرات وأدوات استخبارية متطورة، في سابقة لم تحدث بهذا الشكل المباشر، وإيران ردت بصواريخ مدمرة أطلقت من أراضيها نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة.
بهذه الضربات، سقطت “قواعد الاشتباك” التي حكمت الصراع لعقود، والتي كانت تمنع أي استهداف مباشر للداخل الإيراني أو الإسرائيلي من أراضي الخصم.
هذه التطورات كشفت عن مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد الحرب الخفية هي الخيار الوحيد، بل صار خيار الضربات المباشرة مطروحا وبقوة.
والأخطر أن هذه المرحلة تأتي في ظل تصاعد خطاب الحرب في كلا المعسكرين، ما يرفع احتمالية المواجهة المباشرة، ولا مساحات للمناورة السياسية.
•الاستعداد في جبهات محور المقاومة:
زيارة علي لاريجاني إلى العراق ولبنان لم تكن بروتوكولية أو ذات طابع دبلوماسي صرف، بل بدت أقرب إلى جولة تفقدية للخطوط الأمامية لمحور المقاومة:
-في بغداد، جرى بحث ملف الوجود الأميركي، والتنسيق الأمني والعسكري،
-وفي بيروت كان التركيز على جاهزية الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة بقيادة حزب الله.
المؤشرات من الميدان تشير إلى أن هناك عملا حثيثا على تثبيت الجبهات، تأمين خطوط الإمداد، وإعادة ترتيب البنية اللوجستية بما يتلاءم مع احتمالات التصعيد.
بالتوازي، يجري تعزيز الدفاعات الجوية الإيرانية، مع وصول تقارير عن نشر أنظمة روسية متطورة للحرب الإلكترونية، وأنظمة دفاع صينية، وهي رسالة مزدوجة:
-للخصوم بأن البنية الدفاعية تتطور.
-وللأصدقاء بأن المحور يقترب من لحظة الحسم.
وهو الامر الذي يحتاج إلى أقصى درجات التنسيق.
•أي حرب قادمة؟ مفتوحة أم مركّزة؟:
هنا ينقسم التقدير بين مدرستين في التفكير الاستراتيجي الإيراني:
-الأولى ترى أن طهران تقترب من لحظة هجوم مباشر على إسرائيل، كردّ على الطوق الجيوسياسي والاعتداءات والثأر، وأن ضربة نوعية ومباغتة قد تغيّر قواعد اللعبة.
-أما الثانية، فترجّح أن إيران ستختار تصعيدا قويا ومركّزا، يحقق الردع ويعيد فرض خطوط حمراء جديدة، دون الانجرار إلى حرب شاملة قد تستنزف قدرات المحور وتفتح الباب لتدخلات خارجية واسعة.
لكن حتى في حال اختيار السيناريو “المركّز”، فإن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل الضربة المحدودة إلى مواجهة شاملة، خاصة في ظل هشاشة المشهد الإقليمي وتشابك الجبهات من اليمن إلى لبنان.
•أخيرا:
مهما كان شكل الجولة المقبلة، فمن الواضح أن الشرق الأوسط يقف على عتبة تحول استراتيجي، الطوق يضيق، والميدان يشتعل، والتحالفات تختبر أمام أعين العالم.
وإيران والمحور يدركان أن المعركة القادمة، سواء كانت ليالي من الصواريخ أو حرب شاملة، فهي لن تكون معركة حدود فحسب، بل معركة وجود… سترسم ملامح المنطقة لعقود.
وفي زمن تتقاطع فيه الممرات مع الصواريخ، والخرائط مع المعارك، قد لا يكون السؤال “هل تندلع المواجهة؟” بل “هل بقت فرصة لتجنبها؟”.


