الأربعين الحسيني .. تجديد للعهد وبناء للهوية

الأربعين الحسيني .. تجديد للعهد وبناء للهوية
الأربعين الحسيني تجسّد تجديد العهد مع قيم الحرية والكرامة والعدالة، حيث يسير الملايين نحو كربلاء في أكبر تظاهرة سلمية عالميّة، إحياءً لرسالة الحسين، ومواصلةً لثورة الوعي التي حملتها زينب والإمام السجاد...

في العشرين من صفر من كل عام، تهتزُّ الأرض بخطى الزائرين، وتتوهج الأرواح بحرارة الشوق الحسيني، حيث يحيي ملايين المسلمين، خصوصاً من أتباع مدرسة أهل البيت (ع)، ذكرى أربعينية الإمام الحسين (ع)، في واحدة من أعظم المناسبات الدينية والإنسانية على وجه الأرض.

ولكن، ماذا تعني “الأربعين”؟ ولماذا يواصل الناس إحياءها بكل هذا الزخم والتفاني؟ وما الذي يجعل من هذه الذكرى محطة مركزية في الوعي الشيعي، بل وحتى في الوجدان الإنساني الأوسع؟

الأربعين: من الحزن إلى النهضة

ليست أربعينية الحسين مجرد ذكرى لمقتل سبط النبي (ص) بعد أربعين يوماً، بل هي تحوّل في وظيفة الحزن نفسه. فبعد أن تروي عاشوراء مشاهد البطولة والشهادة، تأتي الأربعين لتُحوّل هذا الدم المسفوح إلى طاقة متجددة للثورة والإصلاح.

إنها لحظة تجديد العهد، حين وقف الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري على قبر الإمام قائلاً:

“أشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا…”

وفي تلك الزيارة الأولى، بدأت ملامح المشروع الحسيني في التجذر، لا كحدث تاريخي، بل كرسالة ممتدة.

زيارة الأربعين: أعظم تظاهرة سلمية في العالم

من أبرز مظاهر إحياء الأربعين في العصر الحديث هو الزحف المليوني نحو كربلاء. ملايين الزائرين يسيرون على الأقدام لعشرات بل مئات الكيلومترات في مشهد مهيب لا نظير له، عنوانه الولاء، والإيثار، والكرامة.

لكن ما هو المعنى العميق لهذا المشهد؟

1.هوية جماعية: المسيرة تمثل انصهار الفرد في الجماعة المؤمنة، وهو تعبير حي عن انتماء عقائدي وثقافي إلى ثورة الحسين.

2.ثقافة الخدمة: ما يُقدَّم من الطعام والماء والدواء والمبيت هو أشبه بمهرجان إنساني يُعيد تعريف معنى “الكرم”، ويؤسس لقيم التضامن.

3.رفض الظلم المعاصر: إذ لا تنفصل كربلاء عن قضايا الأمة اليوم. فالمشي إلى الحسين هو مشيٌ ضد الطغيان، وضد نسيان القضايا العادلة، من فلسطين إلى اليمن وسواهما.

الأربعين كمنصة للوعي الحضاري

لا ينبغي النظر إلى الأربعين كحدث شعبي عاطفي فقط. إنها أيضًا فرصة:

  • لإعادة قراءة المشروع الإصلاحي للإمام الحسين (ع): “إني لم أخرج أشِراً ولا بطراً، ولكن خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي”.
  • ولتعميق القيم التي دعا إليها: الحرية، الكرامة، العدالة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • ولتذكير الأمة بأن الصمت على الظلم خيانة، وأن التضحية من أجل المبادئ فريضة.

دور زينب والإمام السجاد في تأسيس الأربعين

لم يكن من الممكن أن تصل رسالة كربلاء إلى الأجيال لولا الخطاب الزينبي في الكوفة والشام، ودور الإمام زين العابدين (ع) في توثيق المأساة وترسيخ مفاهيمها. إن رحلة السبي لم تكن ختاماً للحدث، بل بداية لثورة الوعي.

فالأربعين تجسيد لتلك المواجهة: مواجهة الكلمة أمام السيف، والدمعة أمام الظلم، والعقيدة أمام الانحراف.

من كربلاء إلى الضمير الإنساني

حين نستذكر الأربعين، نحن لا نُحيي ذكرى ماضٍ مضى، بل نُعلن استمرار مشروع بدأه الحسين (ع) بدمه، وواصلته زينب بكلمتها، ويحمله الزائرون بأقدامهم وهم يسيرون نحو القبر الشريف.

إن أربعينية الإمام الحسين (ع) هي مدرسة حية لبناء الإنسان: إنسان لا يرضى بالذل، ولا يصمت أمام الجور، ولا يساوم على القيم.

ومن هذا المنطلق، فإن العالم، كل العالم، بحاجة إلى كربلاء… بحاجة إلى الأربعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *