في عاصمة اضرمَت فيها النيران قبل اكثر من ثمانين عاما، تصمت وارسو في كل عام في الاول من آب عند الساعة الخامسة مساء. المدينة كلها من الضواحي حتى قلبها القديم، تقف دقيقة كاملة حدادا على انتفاضة وُلدت من رحم الياس، ودفنت تحت الانقاض. ففي عام 1944، حين احتشدت القوات السوفييتية على الضفة الشرقية لنهر فيستولا، اطلق جيش الدولة البولندي التابع إلى حكومة المنفى في لندن انتفاضة مسلحة لتحرير العاصمة من الاحتلال النازي، في مسعى لفرض السيادة الوطنية قبل دخول الجيش الاحمر. استمرت الانتفاضة 63 يوما، قتل خلالها اكثر من 16 الف مقاتل بولندي، وجرح نحو 25 الفا، بينما سقط ما يزيد عن 150 الف مدني في مذبحة جماعية نُفذت بالقصف والمجازر. تحولت المدينة الى انقاض، ولم يتدخل الجيش السوفييتي رغم وجوده على الضفة الاخرى، ما اثار لعقود اتهامات بالخيانة، وتواطؤ صامت في الجريمة.
تحديات انتفاضة وارسو الكبرى
لكن هذه الرواية التاريخية تخفي طبقة اعمق من الحقيقة، ان انتفاضة وارسو لم تكن مجرد معركة ضد النازي، بل كانت ايضا تحديا مقصودا للنفوذ السوفييتي القادم. فقد ارادت حكومة المنفى البولندية ان تعلن، عبر تحرير العاصمة بيد ابنائها، ان الدولة القديمة، التي سقطت عام ١٩٣٩ ما زالت حية، وانها قادرة على تقرير مصيرها من دون تدخل من الشرق او الغرب. بعبارة اخرى، كانت الانتفاضة في جانب منها، مصممة للحد من الزحف السوفييتي، وليس لمجرد التحرر من الاحتلال النازي. وهنا تكمن المعضلة، القرار كان اخلاقيا وشجاعا، لكنه ايضا مغامر وغير محسوب في ميزان القوى، ما قاد الى كارثة وطنية بحجم مدينة.
اليوم وفي منطقتنا تقع مأساة موازية، وان اختلفت الادوات والسياقات، في غزة. ففي 7 اكتوبر 2023، اطلقت كتائب القسام عملية طوفان الاقصى، هاجمت خلالها مواقع عسكرية اسرائيلية واوقعت قتلى واسرى في صفوف الجنود والمستوطنين، فيما بدا انه محاولة لفك الحصار الخانق عن القطاع، ولفت انظار العالم الى شعب يُحاصر ويُخنق منذ اكثر من 17 عاما. جاءت الضربة صادمة، غير متوقعة، فكان الرد الاسرائيلي عنيفا حد الابادة. شنت على غزة حرب لا تميز بين مقاتل ورضيع، دُمرت فيها البيوت فوق ساكنيها، واستُهدفت المستشفيات، والمخيمات، والمدارس، والمساجد والكنائس. حتى كتابة هذه السطور، ارتفع عدد الشهداء الى ما يزيد عن 60 الفا، والجرحى تجاوزوا 100 الف بكثير معظمهم من النساء والاطفال، في مشهد يعيد الى الذاكرة مجازر اوروبا في القرن العشرين، دون ان يهتز ضمير الغرب او يرف جفن لحلفائه.
صمت وتواطؤ العالم
ما جرى في وارسو من خذلان لمقاتليها يتكرر اليوم في غزة، ليس عبر الصمت فحسب، بل عبر التواطؤ المباشر. ما بين الضفة الشرقية للفيستولا عام 1944، وواشنطن ولندن وباريس عام 2024، تتجلى المعادلة ذاتها، من يُرد كسر هيمنة القوة المهيمنة، يُترك ليموت. وكما اتهم قادة انتفاضة وارسو بانهم قادوا شعبهم الى المقصلة في مغامرة سياسية عبثية، تُوجه اليوم الاتهامات نفسها الى المقاومة الفلسطينية، هل حسبتم الثمن؟ هل فكرتم بالمدنيين؟ هل اغريتم اسرائيل بالقتل؟ لكن السؤال الاخلاقي الحقيقي لا يُطرح هنا، بل يُدفن، ماذا عن حق الشعوب في ان تثور حين يُخنق وجودها ويُمحى افقها؟ من ذا الذي يملك الحق ان يطلب من الجائع ان لا يصرخ، ومن المحاصر ان لا يحفر نفقا، ومن المقموع ان لا يُشهر سلاحا؟
في بولندا وبعد ثمانية عقود، لم يُحسم الجدل بعد حول، هل كان يجب ان تُخاض تلك الانتفاضة؟ لكن احدا لا يجرؤ على سلبها قدسيتها في الضمير الوطني. ربما حتى بعد مئات السنين ستبقى انتفاضة وارسو موضع جدل، لكنها كانت صرخة جيل اُبيد باكمله. وتحوّلت لحظة الهزيمة الى طقس وطني تُقرع له الاجراس، ويقف له الناس صمتا، وتُروى مآسيه للاطفال في المدارس، وتُغنى قصائده على مسارح العاصمة.
اما في غزة فالمذبحة ما زالت مستمرة. لا وقت هناك للبكاء على الاطلال، لان الاطلال نفسه يُقصف كل يوم. لا متاحف تحفظ الذاكرة، بل مقابر جماعية ومخيمات مشردين في خيام مهترئة. ومن بقي على قيد الحياة، لا يُسمح له بان يروي الحكاية، بل يُسجن او يُشيطن او يُطرد. ما بين وارسو وغزة، بين انتفاضة واخرى، يقف العالم شاهدا، لا منصفا، على ازدواجية المعايير، وتقديس المقاومة حين تكون اوروبية، وتجريمها حين تكون فلسطينية. لكن الشعوب لا تُقاس بما تكسب، بل بما ترفض ان تخضع له. وكما لم تُقم انتفاضة وارسو على حسابات الربح والخسارة، كذلك وُلد طوفان الاقصى من عمق الحاجة الى الخروج من زمن الاذلال، حتى ولو كان الثمن انهارا من الدم.
غزة لا تملك صوتا في الامم المتحدة، ولا دعما من الحلفاء، ولا حظا في ان تُروى حكايتها في الكتب المدرسية العربية والأوروبية والعالمية، لكنها تملك ما لم تمتلكه دول كثيرة، ارادة لا تُقهر، وقناعة راسخة بان الانسان المقهور حين يثور لا يفعل ذلك لانه منتصر، بل لانه قرر ان لا يُهزم وهو صامت.
واذا كانت وارسو قد بُنيت من رمادها لتصبح رمزا للحرية، فان غزة، وان دمروها حجرا حجرا، ستظل حاضرة في الوعي، كنقطة نار لا تنطفئ، وكسؤال اخلاقي يطارد كل من صمت او تواطأ او تظاهر بانه لم ير شيئا. وربما، بعد زمن، حين تُروى القصة بعيدا عن موازين القوى، سيقال، كان في تلك البقعة المحاصرة شعب قاوم وحده، فصمت العالم، وبقي هو.


