قراءة في تغييب المشروع الفلسفي للسيد محمد باقر الصدر
في التاريخ الفكري للأمم، ثمة عباقرة لا يُقتلون مرة واحدة، بل يذبحون مرتين: مرة بسلاح الطغاة، ومرة بإهمال فكرهم العظيم، وهنا يبرز اسم السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قده)، لا كرمز ديني أو سياسي فقط، بل كأحد أعظم العقول التي أنجبتها الحوزة العلمية في النجف الاشرف، بل في العالم الإسلامي برمته، وبينما يتذكره كثيرون من زاوية شهادته المأساوية على يد البعثيين، فإن القليل أدركوا المأساة الأعمق، وهي اغتيال مشروعه الفلسفي والعلمي، الذي لم ينل حتى اليوم ما يستحقه من قراءة وإنصاف.
• الأسس المنطقية للاستقراء: مشروع فلسفي فريد
لعل أبرز إنجازات الصدر الفكرية، تبرز في كتابه “الأسس المنطقية للاستقراء”، هذا العمل الاستثنائي، الذي مثل محاولة فريدة، لإعادة صياغة المنهج الاستقرائي ضمن رؤية إسلامية عقلانية، تتجاوز حدود التراث الفلسفي القديم، وتنتقد في الوقت ذاته عقم المناهج الوضعية الحديثة، ففي هذا الكتاب لم يكتف الصدر، بتقديم نقد جذري للمنطق الأرسطي، بل ذهب إلى اقتراح نظرية جديدة في المعرفة تقوم على حساب الاحتمال وفلسفة العلم التجريبي، وهو ما جعله يسبق حتى مدارس الفلسفة الغربية في تناولها لعلاقة الاستقراء باليقين.
لكن هذا المشروع، بكل ما فيه من عمق وابتكار، قوبل بصمت مطبق داخل وخارج الأوساط العلمية، فلم يترجم إلى لغات عالمية بشكل علمي رصين، ولم يدرس بجدية في الحوزات أو الجامعات الإسلامية، حتى طلاب الصدر أنفسهم لم يكملوا مشروعه، وكأن اغتياله الجسدي ترافق مع قرار جمعي بدفن تراثه الفكري والفلسفي، والمفارقة أن بعض الجامعات الإسلامية تدرس اليوم فكر “ديريدا وبوبر وراسل”، بينما ينسى الصدر، الذي تفوق عليهم، وناقش أفكارهم وفندها، واسس لنظريات ومنهج فلسفي جديد.
• تغييب التراث الفلسفي والفكري:
ان المشكلة لا تقتصر على كتاب “الأسس المنطقية للاستقراء” فحسب، بل تمتد إلى معظم تراث الصدر الفلسفي والمعرفي، فإلى جانب “فلسفتنا” و”اقتصادنا” و “خلافة الانسان وشهادة الأنبياء”، كتب الصدر بحوثا عميقة، حول المفاهيم الفلسفية الكبرى، مثل المعرفة، والوجود، والعقل، والمجتمع، والدين، والتربية، ولكنها بقيت إما طي الإهمال أو حبيسة ومغيبة في مكتبات الحوزة.
• مفارقة مُرّة: صور معلقة… وفكر منسي
وتتجلى قسوة هذا الجحود، عندما نرى أن من حكموا العراق بعد صدام، من التيارات السياسية الشيعية، يتغنون بالصدر، ويملؤون مكاتبهم وبيوتهم بصوره، ويعلنون الانتماء لمدرسته الثورية، بل إن بعضهم تربى فعلا على يديه، أو تخرج من مدرسته الفكرية، ومع ذلك، لم يسع أحد منهم بجدية لإحياء فكره، أو إدراج مشروعه الفلسفي في المنظومة التعليمية أو البحثية أو الثقافية، لقد حولوه إلى رمز مجرد، لكنه غائب في عمق السياسات، مهمل في ساحات الفكر، متروك في منهج بناء الدولة، وكأنما كان المطلوب هو صورته لا صوته، حضوره الرمزي لا مشروعه الفكري والعقلي.
• مظلومية فكرية وظلامة سياسية:
إن مظلومية الشهيد الصدر العلمية ربما تفوق ظلامته السياسية، فبينما تركت شهادته الجسدية أثرا عاطفيا عميقا في ضمير الأمة، فإن شهادته الفكرية لم تحدث ما يكفي من الهزات في البنية العقلية للمجتمع، والأسوأ من ذلك، أن كتبه لم تدمج في سياق فلسفة العلم الحديث، ولم تنجز حولها أبحاث أكاديمية مقارِنة، تضعه في مواجهة مناهج الفلسفة الغربية كــ “فلسفة العلم، أو التحليل النفسي أو فلسفة اللغة التحليلية” التي بحثها بعمق ورد عليها.
• عقل إسلامي مستقل ومنهج تجريبي موحد:
وما يزيد من مأساة الصدر انه لم يكتب لأبناء جيله وحوزته فقط، بل لأجيال قادمة، ستؤمن بأن العقل ليس نقيض الإيمان، وأن المنهج التجريبي لا يتناقض مع الرؤية التوحيدية، بل يمكن أن يكون طريقا إليها، لقد أراد السيد الشهيد، أن يقول لكل العالم، إن العقل الإسلامي مستقل وقادر إنتاج المعرفة، لا يقف عند حدود التكرار أو الدفاع، بل يخوض معركة التأسيس والمنافسة.
• احياء مشروع الصدر وترجمته علميا:
ما نحتاجه اليوم ليس رثاء جديدا للشهيد الصدر، بل مشروعا يكمل ما بدأه، وترجمة علمية رصينة لكتبه وفكره إلى كل لغات العالم الحية، وشروح معاصرة تفكك مفاهيمه، وتعيد تركيبها ضمن مناهج الفلسفة الحديثة، ومراكز دراسات، ومؤتمرات دولية، تبحث موقعه في فلسفة العلم والمنطق الاستقرائي، ومناهج دراسية تدرّس فكره، كما تدرّس الان المادية الجدلية والوضعية المنطقية!
• أخيرا:
إذا كان دم الصدر الذي أريق ظلما على يد صدام، قد الهب قلوب المؤمنين، فان فكره المهجور يصرخ بوجوه الجميع: لماذا قتلتموني مرّتين؟ لماذا رضيتم أن يمحى أثر مشروع كان يمكن أن يكون حجر الزاوية في نهضة فلسفية عقلية إسلامية حديثة؟
الصدر لا ينتظر منا أن نبكيه، بل أن نقرأه، أن نعيد إحياء مشروعه بما يليق بعظمته، أن نقول للتاريخ: نعم، لقد استشهد محمد باقر الصدر جسدا، لكن فكره لم يمت، ولن يقتل بإهمالنا مرتين.


