الأهوار العراقية: فردوس القصب على حافة الفناء؛ بقلم يورغن غوتشليش من الناصرية/الجبايش

الأهوار العراقية: فردوس القصب على حافة الفناء؛ بقلم يورغن غوتشليش من الناصرية/الجبايش
تُوثّق المعاناة البيئية والاجتماعية لأهوار العراق، وتُبرز جهود النشطاء في استعادتها بعد تجفيفها سياسيًا، وسط تحديات تغيّر المناخ وسدود الجوار، مع التأكيد على أنّ إنقاذها ما زال ممكنًا عبر التعاون الإقليمي والإدارة الرشيدة....

من لحظة إلى أخرى، يسود هنا سكون فردوسي. ما إن يُطفأ صوت المحرك الخارجي الصاخب للقارب بسبب ضحالة المياه، حتى ينزلق القارب في صمت شبه تام وسط حزام القصب الكثيف. يصل ارتفاع النباتات إلى مترين، وتعيش بينها طيور الرفراف والبلشون وأنواع متعددة من الكائنات المستنقعية الأخرى. جميعها بدت وكأنها تنفست الصعداء بعد اختفاء هدير المحرك، وهي تراقب الزوار بفضول من داخل عالمها الرطب.

يقود القارب علي الأهواري، وهو ناشط بيئي من بلدة صغيرة على أطراف الأهوار في جنوب العراق. وباستخدام العصا الخشبية التقليدية، يدفع القارب عبر هذا البحر اللامتناهي من القصب المتراص.

حياة الأهوار القديمة تتلاشى

لبرهة، لا يرى المرء شيئاً سوى هذه الطبيعة التي لا تاريخ لها، والموجودة منذ عصور لا يُعرف لها بداية، وكأنها موجودة منذ الأزل. يقول أحدهم “كأنها الجنة”، ويبدو هذا القول يبدو صادقاً؛ فقد اعتقد الناس في الأزمنة القديمة أن هذا المكان كان جنة عدن، التي طُرد منها آدم وحواء وفقاً للعهد القديم.

ينساب القارب عبر الممرات المائية، متسللاً من بين شقوق القصب الكثيف إلى قرية يسكنها من يُعرفون بـ “عرب الأهوار”، وهم سكان استوطنوا منذ آلاف السنين منطقة السهول الفيضية الممتدة بين دجلة والفرات.

لقد دون المستكشف البريطاني والكاتب ويلفريد ثيسيجر في خمسينيات القرن الماضي، أن نمط حياة سكان الأهوار لا يختلف كثيراً عن أسلافهم من السومريين الذين عاشوا في المستنقعات قبل أكثر من خمسة آلاف عام. كانت الأهوار آنذاك واحدة من أكبر المناطق الرطبة على سطح الأرض. عاش الناس على حليب الجاموس ولحومه، إلى جانب صيد الأسماك. بُنيت بيوتهم بالكامل من القصب المجدول، أما القوارب فكانت تصنع من القصب ذاته أو من جذوع الأشجار المجوفة.

في كتابه عن عرب الأهوار، عبّر ثيسيجر عن إعجابه العميق باستقلالية هؤلاء السكان. كانت حياتهم حرة بالكامل، لا سلطة تملي عليهم شيئاً. لكن هذا النمط القديم من الحياة تغير جذرياً خلال السبعين سنة الماضية. في السابق، كانت الطبيعة – وتحولاتها البطيئة – هي من تنظم الحياة. ثم جاء تدخل الإنسان.

في منطقة التقاء نهري دجلة والفرات، التي كانت تستقبل سنوياً فيضانات الربيع، نشأت الأهوار منذ آلاف السنين، مُمتدة لمئات الكيلومترات في جنوب العراق الحالي. في العهد السومري، كان النهران يصبان منفصلين في الخليج الفارسي، الذي كان يمتد شمالاً إلى مدينة أور القديمة – بالقرب من الناصرية اليوم. شكّل كل نهر دلتا هائلة، اندمجت معاً في الأراضي المستنقعية.

ومع ترسيب النهرين السنوي، تراجع خط الساحل نحو الجنوب، ليتحد النهران أخيراً في مجرى واحد هو شط العرب. بقيت الأهوار تغمرها مياه الفيضانات عند نقطة التقائهما في كل ربيع .

لكن الأهوار كادت أن تُمحى بسبب التدخل البشري. فقط في العشرين سنة الماضية، نجح بعض النشطاء البيئيين في استعادة المياه إلى أجزاء من هذه المناطق. وعلى الرغم من أن الحياة لم تعد إلى المساحات الشاسعة السابقة، فإنها عادت إلى جزء مركزي مهم، ومعها بعض السكان.

لم يبقَ الكثير من الصورة المثالية التي رسمها ثيسيجر عن قرى الأهوار. السكان باتوا فقراء جداً، وبيوتهم المشيدة من القصب أمست مُغطاة بالأغطية البلاستيكية للوقاية من الأمطار والرياح. عند الضفة، يقف عدد من الأطفال الحفاة يترقبون، ويعرضون بفخر جاموس العائلة ذي القرون المقوسة والآذان الطويلة. ينضم إليهم الأب والابن الأكبر، عائدين من بلدة قريبة حيث باعوا الحليب واللبن. أحضروا معهم بعض الطعام والأعلاف المركزة للجاموس. لا كهرباء هنا، ولا ماء صالح للشرب. يجب جلب ذلك من الخارج، فمياه الأهوار لم تعد صالحة للاستهلاك البشري – فقط الجاموس لا يزال يتحملها.

السياسة والكوارث البيئية

عرب الأهوار في الغالب فقراء، متدنّو التعليم، ويتحدثون لهجة لا يفهمها معظم العراقيين، ويعانون من التمييز. يقول جاسم الأسدي، الناشط البيئي المقيم في قرية الجبايش، وسط الأهوار، إن الحال كان مختلفاً في الماضي. في منزله البسيط المزين بملصقات “طبيعة العراق”، يشرح الأسدي – الرجل السبعيني ذو الشعر الأبيض – كيف أنقذ الأهوار من موت استمر أكثر من عقدين. حتى اليوم، يُعتبر “حارس المياه”

ظلت الأهوار سليمة حتى ثمانينيات القرن الماضي. على عكس باقي العالم الذي جفف المستنقعات لأغراض زراعية، كانت عملية تجفيف الأهوار في العراق سياسية بامتياز. خلال الحرب مع إيران، تسلل الحرس الثوري عبر الأهوار، وبعد الحرب، أصبحت ملاذاً للمعارضين الشيعة. في التسعينيات، أمر صدام حسين بتجفيفها. تم استقدام جيش من العمال لبناء سدود تمنع مياه دجلة والفرات من الوصول إلى الأهوار، لتحول إلى شط العرب مباشرة – فكانت كارثة بيئية بكل معنى الكلمة.

عقب الغزو الأميركي عام 2003، عثر الأسدي على جرافة في مكان ما وبدأ هدم السدود. بعد عشرين عاماً من التجفيف، عادت المياه والحياة. عاد هو نفسه من بغداد، ولم يتوقف عن العمل على إنقاذ الأهوار.

تم تصنيف الأهوار كموقع تراث عالمي لليونسكو. وفي السنوات التي تلت 2003، عادت المياه إلى نحو نصف المساحة، لكن منذ سنوات بدأ الانكماش مجددًا. السبب: تغيّر المناخ والسدود في تركيا التي قطعت المياه عن النهرين.

وبضغط من الأسدي ونشطاء آخرين، أنشئ سد صغير في الفرات قرب نقطة التقاء النهرين، لتحويل المياه إلى الأهوار طالما بقي المنسوب تحت 1.70 متر. إذا ارتفع، تُوجّه المياه إلى دجلة وشط العرب. يوضح الأسدي : “من دون مياه الفرات، ستجف معظم الأهوار”.

يزور الأسدي الأهوار بشكل يومي. بدعم من منظمة “طبيعة العراق”، أنشأ محطة معالجة بيولوجية لمياه الصرف في الجبايش، تُعيد المياه المفلترة للنظام البيئي. يشير بفخر إلى الحوض الذي تصفي النباتات مياهه: “نظام بسيط لكنه فعال جداً. وبعد سنوات من الصراع مع السلطات، أنجزناه بأنفسنا”.

يعرف الأسدي العائلات منذ ما قبل التجفيف، حين كانت القرى شبه مكتفية ذاتياً، تحوي مدارس ومراكز طبية. اليوم، تلاشى كل ذلك تقريباً، رغم عودة بعض السكان، إلا أن الكثيرين يتنقلون بين الأهوار والبلدات المحيطة. ومع ذلك، عادت الحياة إلى الأراضي التي كانت جافة لأكثر من عقدين. استعادت النباتات والحيوانات المستنقعات بسرعة مذهلة. يتذكر الأسدي ذلك قائلاً: “بعد إزالة أولى السدود، اخضرت المنطقة خلال شهور”.

بنى علي الأهواري مع أسرته وأصدقائه رصيفًا صغيراً لنقل الزوار إلى الأهوار. هناك، يشوون السمك المحلي على الفحم. وفي عام 2023، شارك الأهواري ومجموعة من النشطاء في مؤتمر المناخ العالمي في دبي، حاملين مطالب واضحة إلى دول الجوار: “لكي تبقى الأهوار، يجب أن تسمح تركيا وإيران بمرور مزيد من المياه”. يؤيده الأسدي، ويضيف: “على العراق أيضاً أن يحسن إدارة موارده المائية”. ومع ذلك، كلاهما مقتنع بأن إنقاذ الأهوار العراقية، هذه البقعة الطبيعية الضاربة في القدم، أمر ممكن  حتى على المدى الطويل.

* يورغن غوتشليش هو صحفي وناشر ألماني درس الفلسفة والصحافة، وهو أحد المؤسسين المشاركين في صحيفة Taz.

المصدر :

https://taz.de/Irakische-Marschgebiete/!6069110/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *