تثير التحركات الدبلوماسية والاقتصادية لكبار المسؤولين في المحافل الدولية أسئلة تتجاوز حدود البيانات الرسمية والمشاهد البروتوكولية التلفزيونية. وفي هذا السياق، يأتي الخبر المعلن عن استقبال رئيس مجلس الوزراء العراقي، في مقر إقامته بالعاصمة الفرنسية باريس، لرئيس مجموعة “روتشيلد” المصرفية، السيد إدوار دي روتشيلد، ليكون الحدث الأكثر إثارة للجدل والنقاش في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية العراقية.
إن هذا اللقاء لا يمكن قراءته كحدث اقتصادي عابر، بل يستدعي قراءة صحفية واستقصائية عميقة تطرح الأسئلة الحقيقية حول طبيعة الحركة، والرمزية التاريخية لهذه المؤسسة المالية، ومدى توافقها مع الأطر القانونية الوطنية النافذة في العراق.
أولاً: سلالة روتشيلد وحقائق التاريخ الوثائقي
لا يمثل اسم “روتشيلد” مجرد رقم في عالم المؤسسات المصرفية الاستثمارية، بل يرتبط بسلالة مالية امتد تأثيرها عبر القرون. وقد لعب الفرع الفرنسي للعائلة، الذي ينتمي إليه السيد إدوار دي روتشيلد، دوراً مفصلياً وموثقاً في الدعم التأسيسي للمشروع الصهيوني في فلسطين؛ إذ يقف البارون إدموند جيمس دي روتشيلد (1845–1934)، الجد المباشر لإدوار، كشخصية مركزية تولت تمويل المستوطنات الصهيونية الأولى نهاية القرن التاسع عشر عبر “جمعية الاستعمار اليهودي في فلسطين” (PICA).
وتجلى هذا النفوذ في الرسالة التاريخية الشهيرة التي وجهها وزير الخارجية البريطاني أرتور بلفور عام 1917 مباشرة إلى اللورد والتر روتشيلد بوصفه ممثلاً للجالية اليهودية، متعهدة بإنشاء “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”. واستمر هذا الدعم لاحقاً عبر مؤسسات العائلة التي تكفلت بتمويل بناء مبنى البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) ومقر المحكمة العليا في القدس. وفي هذا الإطار ينشط اليوم إدوار دي روتشيلد، جامعاً بين النفوذ المالي والاستثماري والنفوذ الإعلامي في فرنسا عبر ملكيته لحصص رئيسية في مؤسسات صحفية بارزة.
ثانياً: تساؤلات الشارع العراقي حول “أعراف الزيارة”
أمام هذه التراكمات التاريخية، يقف المتابع والشارع العراقي أمام تساؤلات مهنية ومشروعة حول الإخراج البروتوكولي لهذا اللقاء: هل من الممكن لمؤسسة تُعد من كبرى المؤسسات المالية الدولية أن يأتي رئيسها التنفيذي لزيارة رئيس مجلس الوزراء في مقر إقامته دون ترتيبات مسبقة، وتواصل استثماري وسياسي متقدم جرى في الكواليس؟
إن الأعراف السائدة في عالم المال والأعمال تنص على أن الجهات التي تطلب الاستشارة أو تسعى لإعادة هيكلة ديونها وتصنيفها الائتماني هي من تسعى وفق سياقات رسمية ومتقدمة للوصول إلى هذه البيوت المالية الدولية، وليس العكس. وبالتالي، فإن ظهور اللقاء بهذا الشكل يثير علامات استفهام حول الرسائل المراد إيصالها داخل العراق وخارجه، وما إذا كانت تُستخدم كقنوات غير مباشرة لإرسال رسائل طمأنة لمراكز القرار الغربي.
ثالثاً: البُعد القانوني والمأخذ وفق “قانون حظر التطبيع”
لا يمكن فصل هذا المشهد عن المنظومة التشريعية العراقية الحاكمة؛ ففي عام 2022، أقر البرلمان العراقي قانون حظر التطبيع وإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني (رقم 1 لسنة 2022)، وتحديداً المادتين (4 و5) اللتين تجرمان أي شكل من أشكال التواصل أو التنسيق – المباشر أو غير المباشر – مع الكيان الصهيوني أو المؤسسات والشركات المرتبطة به أو التي تقدم له الدعم.
وهنا يتجلى المأخذ القانوني والسياسي الشديد الحساسية: كيف يتقاطع التواصل الرسمي للحكومة العراقية مع رمز مالي ينتمي لسلالة ومؤسسة تمتلك تاريخاً موثقاً بالمستندات في تأسيس ودعم الكيان الصهيوني؟ ألا يضع هذا اللقاء المؤسسة التنفيذية في منطقة رمادية قد تُستغل سياسياً وقانونياً لمساءلة الحكومة عن مدى التزامها بروح القانون النافذ؟
الخلاصة
إن السعي لتطوير القطاع المصرفي العراقي هو هدف اقتصادي مشروع، غير أن اختيار الواجهات المالية يتطلب دراسة حصيفة للأبعاد التاريخية والقانونية. وتبقى التساؤلات المطروحة في الشارع العراقي قائمة، بانتظار إيضاحات رسمية توازن بين متطلبات التنمية المالية واحترام الثوابت الوطنية والقوانين السيادية النافذة.


