سيادة العراق .. من استعادة القرار إلى بناء الدولة

سيادة العراق .. من استعادة القرار إلى بناء الدولة
تتجاوز السيادة العراقية الاعتراف القانوني لتشمل استقلال القرار وقوة المؤسسات وحماية الحدود وحصر السلاح والتنمية الاقتصادية والتماسك المجتمعي. ويظل انتقال السلطة عام 2004 بداية لمسار مستمر، يرتبط نجاحه بقدرة الدولة على تحويل السيادة القانونية إلى قدرة فعلية...

ليست السيادة كلمة تُقال في المناسبات الوطنية، ولا شعاراً يُرفع في الخطب والبيانات، وإنما هي جوهر الدولة وميزان استقلالها وقدرتها على حماية قرارها وأرضها وشعبها وثرواتها ومصالحها . وحين نتحدث عن سيادة العراق، فإننا لا نتحدث عن مفهوم قانوني مجرد، بل عن قضية ارتبطت بتاريخ العراق الحديث، وبما مر به من حروب وأزمات واحتلالات وتدخلات إقليمية ودولية، وبمحاولاته المستمرة لاستعادة موقعه الطبيعي كدولة تمتلك قرارها الوطني وتحافظ على وحدتها ومصالح شعبها . لقد شكّل يوم الثامن والعشرين من حزيران عام 2004 محطة تاريخية في مسار العراق الحديث، حين أُعلن انتقال السلطة والمسؤولية إلى الحكومة العراقية المؤقتة وانتهاء الاحتلال رسمياً . وقد رحبت الأمم المتحدة في ذلك اليوم بعودة العراق إلى أسرة الدول المستقلة ذات السيادة، فيما أكد مجلس الأمن انتقال المسؤولية والسلطة الكاملة في إدارة البلاد إلى الحكومة العراقية المؤقتة ذات السيادة والاستقلال . ولم يكن ذلك الانتقال مجرد إجراء سياسي، بل كان إعلاناً عن بداية مرحلة جديدة يفترض أن ينتقل فيها العراق من مرحلة فرض الوقائع عليه إلى مرحلة بناء الدولة القادرة على ممارسة سيادتها بصورة فعلية . فقد أكدت قرارات مجلس الأمن آنذاك حق الشعب العراقي في تقرير مستقبله السياسي بحرية، وفي ممارسة سلطته الكاملة على موارده المالية والطبيعية .

غير أن استعادة السيادة على الورق لا تعني بالضرورة اكتمال السيادة على أرض الواقع . فالسيادة الحقيقية مشروع طويل يبدأ باستقلال القرار السياسي، ويتعزز بقدرة الدولة على حماية حدودها، وفرض القانون، وإدارة مواردها، وبناء مؤسساتها، وصيانة استقلالها الاقتصادي، وإقامة علاقات خارجية متوازنة تقوم على المصالح والاحترام المتبادل .

ومن هنا، فإن العراق عندما يتحدث عن سيادته لا ينبغي أن يكون حديثه موجهاً ضد دولة بعينها، ولا ينبغي أن تتحول السيادة إلى وسيلة للصراع السياسي الداخلي، وإنما يجب أن تكون مبدأً وطنياً جامعاً يعلو فوق الخلافات الحزبية والقومية والطائفية والمناطقية .

فالعراقي الذي يؤمن بسيادة بلده يجب أن يؤمن في الوقت ذاته بوحدة العراق، وبحق جميع أبنائه في المواطنة المتساوية، وبأن الدولة هي الإطار الجامع الذي يحمي الجميع. والسيادة في جوهرها تعني أن يكون القرار العراقي عراقياً، وأن تكون المؤسسات الدستورية هي صاحبة الاختصاص في رسم السياسات العامة، وأن يكون السلاح خاضعاً للقانون والدولة، وأن تكون الحدود مسؤولية المؤسسات الرسمية، وأن تكون الثروات الوطنية ملكاً للشعب وتدار وفق المصلحة العامة، وأن تكون العلاقات الخارجية قائمة على المصالح الوطنية لا على التبعية أو المحاور . لقد أثبتت التجربة العراقية خلال العقود الماضية أن ضعف الدولة يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وكلما تراجعت قدرة المؤسسات الوطنية على أداء وظائفها، ازدادت مساحة تأثير القوى الأخرى.

ولذلك فإن حماية السيادة لا تبدأ فقط من الحدود، وإنما تبدأ من الداخل ، من قوة المؤسسات، ومن احترام الدستور، ومن استقلال القضاء، ومن كفاءة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ومن وجود نظام سياسي قادر على إدارة الاختلافات بالحوار والمؤسسات بدلاً من تحويلها إلى صراعات مفتوحة .

والسيادة كذلك ليست عزلة عن العالم. فالدولة ذات السيادة ليست الدولة التي تغلق أبوابها أمام الآخرين، وإنما الدولة التي تدخل العالم وهي تعرف مصالحها وتحدد خياراتها بنفسها . العراق يحتاج إلى علاقات متينة مع محيطه العربي والإقليمي والدولي، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى أن تكون هذه العلاقات قائمة على الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية .

وقد أكدت الأمم المتحدة مراراً استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه، ومن ذلك قرار مجلس الأمن 2732 لعام 2024 الذي أعاد التأكيد على هذه المبادئ، وربط استقرار العراق وازدهاره وأمنه بمصالح الشعب العراقي والمنطقة والمجتمع الدولي . وهنا تظهر مسؤولية العراق في تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى واقع وطني مستقر .

فالدعم الدولي لسيادة العراق مهم، لكن الأساس هو قدرة العراقيين أنفسهم على حماية هذه السيادة. لا يمكن لدولة أن تكون قوية في الخارج إذا كانت مؤسساتها ضعيفة في الداخل، ولا يمكنها أن تطالب الآخرين باحترام حدودها إذا كانت عاجزة عن إدارة ملفاتها الحدودية والأمنية والسياسية بصورة متماسكة . ومن أهم أركان السيادة العراقية اليوم حماية القرار الأمني .

فوجود مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية مهنية يمثل أحد أعمدة الدولة الحديثة . وقد شهد العراق بعد عام 2014 تجربة قاسية عندما واجه تنظيم داعش، وتمكن بدعم المجتمع الدولي ومن خلال قواته الأمنية والعسكرية ومؤسسات الدولة من استعادة الأراضي التي سيطر عليها التنظيم، وصولاً إلى إعلان النصر العسكري على التنظيم عام 2017 .

وقد أشار مجلس الأمن لاحقاً إلى الانتصار الميداني العراقي على داعش بوصفه محطة مهمة في مسار العراق . لكن انتهاء الحرب على داعش لم يعنِ انتهاء الحاجة إلى بناء الدولة الأمنية القادرة على حماية العراق. فالتهديدات الأمنية تتغير، وكذلك أشكال التدخل والضغط والصراع .

ولذلك فإن المرحلة الجديدة تحتاج إلى مؤسسة أمنية قوية، وإلى تنسيق بين مختلف الأجهزة، وإلى عقيدة وطنية تجعل حماية العراق ووحدته وسلامة مواطنيه الهدف الأول . وفي هذا السياق، يصبح حصر السلاح بيد الدولة جزءاً من مفهوم السيادة، لأن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تمارس سلطتها بصورة كاملة إذا تعددت مراكز القوة المسلحة خارج إطار القانون.

وفي المقابل، فإن معالجة هذا الملف تحتاج إلى رؤية وطنية هادئة ومتدرجة تقوم على الحوار والقانون وضمان الحقوق، بعيداً عن لغة التصادم التي قد تزيد الانقسام بدلاً من حل المشكلة . أما السيادة الاقتصادية، فهي الوجه الآخر للاستقلال السياسي . العراق بلد يمتلك ثروات طبيعية كبيرة، وفي مقدمتها النفط، لكن امتلاك الثروة لا يكفي إذا لم يتحول إلى قوة اقتصادية مستدامة .

والسيادة الاقتصادية تعني أن يكون العراق قادراً على إدارة موارده بما يخدم الأجيال الحالية والمستقبلية، وأن يقلل من الاعتماد المفرط على مصدر واحد للدخل، وأن يبني قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والتجارة والخدمات، وأن يحول موارده إلى بنية تحتية وفرص عمل وتنمية حقيقية .

إن الدولة التي تستورد معظم احتياجاتها الأساسية وتبقى رهينة لتقلبات سوق واحدة تكون قدرتها على اتخاذ القرار أقل من الدولة التي تمتلك اقتصاداً متنوعاً. ولذلك فإن بناء الاقتصاد الوطني ليس ملفاً مالياً فقط، بل هو قضية سيادة وطنية بامتياز . وتبرز كذلك قضية المياه باعتبارها أحد الملفات الاستراتيجية للسيادة العراقية .

فالمياه لا ترتبط فقط بالزراعة والشرب، وإنما بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الأجيال. ولهذا ينبغي أن تتحول إدارة ملف المياه إلى سياسة وطنية ثابتة تقوم على الدبلوماسية والحوار والاتفاقيات الدولية، مع تطوير أساليب إدارة الموارد المائية داخل العراق . كما أن حماية السيادة تتطلب سياسة خارجية عراقية متوازنة .

فالعراق يقع في منطقة شديدة الحساسية، وله حدود مع دول مؤثرة، كما أنه يمتلك موقعاً جغرافياً يجعله نقطة التقاء مهمة بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران والعالم العربي . وهذه الجغرافيا يمكن أن تكون مصدر ضغط إذا أُديرت بطريقة ضعيفة، لكنها يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة إذا أحسن العراق توظيفها في بناء علاقات متوازنة ومصالح مشتركة . وقد شهد العراق في السنوات الأخيرة تأكيدات رسمية ودبلوماسية متكررة على احترام سيادته ورفض انتهاك أراضيه وأجوائه .

وفي وثيقة قدمتها بعثة العراق إلى مجلس الأمن في شباط 2026، نقلت الحكومة العراقية اعتراضها على ما وصفته بانتهاكات تركية للأراضي والأجواء العراقية خلال الفترة من أيلول إلى كانون الأول 2025، مؤكدة أن مثل هذه الانتهاكات تتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي .

وهذا النوع من التحرك الدبلوماسي مهم لأنه يثبت أن الدفاع عن السيادة لا يكون دائماً بالسلاح، وإنما يمكن أن يكون بالقانون الدولي، وبالاحتجاج الدبلوماسي، وبالعمل داخل المؤسسات الدولية، وببناء شبكة علاقات تجعل احترام العراق ومصالحه جزءاً من معادلة العلاقات الإقليمية والدولية . والسيادة العراقية لا تعني رفض التعاون الدولي .

العراق احتاج ويحتاج إلى التعاون في مكافحة الإرهاب والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات وإعادة الإعمار والتنمية . لكن القاعدة الأساسية هي أن التعاون يجب أن يتم وفق اتفاقات واضحة وبموافقة الدولة العراقية واحترام دستورها وقوانينها . وقد سبق أن أعلنت دول التحالف الدولي أن وجوده في العراق كان بناءً على طلب الحكومة العراقية وباحترام سيادته ووحدته وسلامة أراضيه .

كما اتفقت بغداد وواشنطن في إطار المسار الذي أُعلن عام 2024 على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق والانتقال إلى شراكات أمنية ثنائية، مع تحديد نهاية أيلول 2025 موعداً لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق وفق البيان المشترك .

وهنا يجب التفريق بين التعاون الأمني المشروع وبين التبعية . فالدولة تستطيع أن تتعاون مع أقوى دول العالم دون أن تفقد قرارها، متى ما كانت مؤسساتها قوية وتفاوضها واضحاً ومصالحها محددة . المشكلة لا تكمن في العلاقات الدولية بحد ذاتها، وإنما في قدرة الدولة على إدارة تلك العلاقات بما يحفظ مصالحها .

إن السيادة العراقية أيضاً قضية اجتماعية وثقافية . فلا يمكن بناء دولة قوية إذا بقي المجتمع منقسماً على أساس الهوية الفرعية. العراق بلد متعدد القوميات والمذاهب والأديان والثقافات، وهذه التعددية ليست ضعفاً، بل يمكن أن تكون مصدر قوة إذا قامت على المواطنة والاحترام المتبادل .

فالكردي والعربي والتركماني، والمسلم والمسيحي والإيزيدي والصابئي وغيرهم، جميعهم شركاء في وطن واحد، والسيادة لا تتجزأ بين مكونات الشعب . ومن هنا فإن أخطر ما يهدد السيادة ليس فقط الجندي الأجنبي أو الطائرة العابرة للحدود، بل أيضاً الانقسام الداخلي الذي يجعل العراقي يبحث عن حماية خارج حدود وطنه . وكلما شعر المواطن أن الدولة عادلة وقادرة على حمايته وضمان حقوقه، أصبح أكثر ارتباطاً بها وأكثر استعداداً للدفاع عنها . لقد علّمتنا التجربة أن العراق لا يحتاج إلى المزيد من الصراعات بقدر حاجته إلى بناء دولة قوية . دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والمؤسسات فوق الأشخاص، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الضيقة. دولة لا تتعامل مع مواطنيها بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بمنطق الشراكة والمواطنةز.

إن يوم السيادة، بهذا المعنى، ينبغي ألا يكون مجرد ذكرى تاريخية مرتبطة بانتقال السلطة عام 2004، وإنما مناسبة سنوية لمراجعة مفهوم السيادة ومقدار ما تحقق منه. فالسؤال الحقيقي ليس: هل استعاد العراق سيادته ؟ وإنما .. إلى أي مدى يمارس العراق هذه السيادة اليوم في قراره السياسي والأمني والاقتصادي والدبلوماسي ؟ إن السيادة الكاملة لا تُمنح مرة واحدة ولا تُحفظ إلى الأبد؛ إنها مسؤولية يومية .

تحتاج إلى دولة قوية، ومجتمع متماسك، واقتصاد منتج، وجيش وأجهزة أمنية مهنية، ودبلوماسية نشطة، وقضاء مستقل، وإعلام مسؤول، ونخب سياسية تدرك أن قوة العراق لا تأتي من انتمائه إلى هذا المحور أو ذاك، وإنما من قدرته على بناء توازناته الخاصة . والعراق الذي يمتلك تاريخاً عريقاً، وموقعاً استراتيجياً، وموارد طبيعية وبشرية كبيرة، قادر على أن يكون دولة مؤثرة في محيطه إذا استطاع أن يحول عناصر القوة الكامنة فيه إلى مؤسسات وسياسات ومشاريع تنمية . إن السيادة ليست أن يقول العراق “لا” دائماً، كما أنها ليست أن يقول “نعم” دائماً ، السيادة أن يمتلك العراق القدرة على أن يقول “نعم” عندما تكون المصلحة الوطنية في التعاون، وأن يقول لا عندما يكون الأمر مساساً باستقلاله أو أمنه أو وحدته، وأن يملك في الحالتين أدوات التفاوض والحماية والتنفيذ .

لقد كان انتقال السيادة في 28 حزيران 2004 لحظة مفصلية في التاريخ العراقي الحديث، لكنه كان بداية الطريق أكثر مما كان نهايته . وقد أكدت الأمم المتحدة آنذاك أن الحكومة العراقية الجديدة تواجه تحديات كبيرة، وأن عليها أن تمارس السيادة بصورة كاملة، وأن يجتمع العراقيون على الوحدة والمصالحة والحوار لبناء أسس العراق الجديد .

واليوم، بعد أكثر من عقدين، تبدو الرسالة الأهم أن السيادة لا تُحمى بالاحتفال بها فقط، وإنما ببناء الدولة التي تجعل انتهاكها أمراً مكلفاً سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً، وبناء المجتمع الذي يرى في العراق وطناً جامعاً لا ساحة لصراع الآخرين .

العراق لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لأحد، كما لا يحتاج إلى أن يكون خصماً لأحد. ما يحتاجه هو أن يكون عراقاً أولاً؛ مستقلاً في قراره، قوياً بمؤسساته، متماسكاً بشعبه، متوازناً في علاقاته، آمناً بحدوده، عادلاً مع أبنائه، وقادراً على حماية ثرواته ومستقبله. فحين تصبح الدولة قوية بالقانون، والقرار مستقلاً بالمؤسسات، والاقتصاد قادراً على الصمود، والمجتمع موحداً رغم تنوعه، يصبح الحديث عن السيادة حقيقة يعيشها العراقي في حياته اليومية، لا مجرد عنوان في مناسبة وطنية .

إن سيادة العراق ليست قضية حكومة أو حزب أو جهة سياسية، بل هي حق تاريخي ودستوري ووطنـي لكل عراقي، ومسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمجتمع والنخب السياسية والثقافية والإعلامية .

وسيبقى العراق قادراً على استعادة مكانته حين يدرك أبناؤه أن أقصر طريق إلى القوة الخارجية يبدأ من الوحدة الداخلية، وأن استقلال القرار لا يصنعه الغضب، بل تصنعه الدولة . وهكذا يبقى يوم السيادة العراقي رسالة مفتوحة للأجيال .. إن الوطن الذي يستحق أن نحميه هو الوطن الذي تكون فيه كرامة الإنسان مصانة، والقانون محترماً، والحدود آمنة، والثروة مصونة، والقرار وطنياً، والعراق أولاً وطن الجميع والسيادة ليست ذكرى من الماضي، بل مشروع للمستقبل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *