تشير زيارة احمد الشرع، الرئيس السوري الموقت وقائد جبهة النصرة السابق، المصنفة جماعة ارهابية من قبل مجلس الامن الدولي، الى العاصمة الاذربيجانية باكو، وظهوره في صورة رسمية الى جانب الرئيس الهام علييف، الى تحول رمزي ذي دلالة في المشهد الاقليمي. فقد جاءت هذه الزيارة في سياق يعكس اتجاها متصاعدا نحو اعادة تشكيل التحالفات في الشرق الاوسط الكبير، كما يصطلح عليه في الادبيات الجيوسياسية الغربية، والذي يمتد ليشمل القوقاز وآسيا الوسطى.
تصاعد التوازنات الاقليمية المتغيرة
رغم تصاعد الحديث عن افول بعض القوى التقليدية في المنطقة، الا ان التوازنات الاقليمية ما تزال قيد التشكل، مدفوعة بصراع مستمر بين محورين رئيسيين:
– المحور الاسرائيلي الامريكي الموسع: تواصل اسرائيل بدعم من الادارات الامريكية المتعاقبة، تعزيز شبكتها من الشراكات الامنية والاستخباراتية مع عدد من الدول ذات الغالبية الاسلامية، في اطار اتفاقات ابراهام التي انطلقت عام ٢٠٢٠. وتمتد هذه الشبكة لتشمل دول الخليج، والمغرب، ودولا اخرى بما في ذلك في شمال افريقيا. كما يشهد هذا التكوين محاولات لدمج فصائل سورية مسلحة سابقة، بعضها كان محسوبا على المعارضة الجهادية، وقد اعيد تأهيلها سياسيا او امنيا لتلعب ادوارا وظيفية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، لا سيما في الجنوب السوري والمناطق الحدودية مع الجولان المحتل.
– محور المقاومة بقيادة ايران: ويضم ايران وحلفاءها في اليمن، ولبنان، والعراق، الى جانب مجموعات متفرقة تدور في الفلك الايراني في سوريا وفلسطين. وقد تعزز هذا المحور بصورة غير مباشرة، عبر تقاطع مصالحه التكتيكية مع روسيا، فيما تبرز الصين بوصفها شريكا دوليا حذرا، يدعم ايران من خلال استثمارات بعيدة المدى، وعلاقات تجارية استراتيجية، دون الانخراط المباشر في الصراعات المسلحة. وتبدو محاولات هذا المحور واضحة في استمالة بعض الدول الافريقية، وفي احيان اخرى باكستان.
اذربيجان بين المحاور الكبرى
في هذا السياق تتخذ اذربيجان موقعا متقدما في النسق التحالفي الاسرائيلي الموسع، اذ يشير الاعلان غير الرسمي عن انضمامها الى اتفاقات ابراهام، بدلالة توقيع اتفاقيات امنية واستخباراتية متقدمة مع اسرائيل الى اصطفاف شبه كامل مع هذا المحور. ويقرأ استقبال الرئيس علييف لاحمد الشرع، رغم التصنيفات الارهابية السابقة، بوصفه مؤشراً على اعتماد سياسة اعادة تأهيل ممنهجة، تتماشى مع المقاربات الغربية في التعامل مع قادة الجماعات المسلحة اذا ما توافقت مصالحهم مع البنية الاقليمية الجديدة.
هذا التحول يطرح مفارقة لافتة. زعيم دولة علمانية في جنوب القوقاز يحكم عبر بنية حكم ذات طابع وراثي، يفتح المجال امام قائد اسلامي مسلح سابق ضمن اطار تحالف اقليمي، يجد في اسرائيل مركز ثقل استراتيجي. ويعكس هذا تقاطع المصالح لا العقائد، حيث بات البعد البراغماتي يتفوق على الاصطفافات الايديولوجية الكلاسيكية.
اما تركيا القوة الاقليمية التي لطالما شكلت محور التوازن بين الشرق والغرب، فلا تزال تحافظ على هامش مناوراتها الاستراتيجية. اذ تتجنب انقرة الاصطفاف الكامل مع اي من المعسكرين المتصارعين، مفضلة تبني سياسة القوة الثالثة، التي تسمح لها بالتأثير في مسار الاحداث دون التورط في مواجهات صفرية. ومع ذلك فان استمرار التصعيد في الاقليم قد يفرض على انقرة اعادة النظر في تموضعها، خصوصا في ظل احتدام التنافس على الهيمنة بين موسكو وواشنطن من جهة، وطهران وتل ابيب من جهة اخرى.
في السياق ذاته يشكل الوجود الايغوري في سورية، ولا سيما من خلال فصائل مثل الحزب الاسلامي التركستاني، بعدا امنيا بالغ الحساسية بالنسبة للصين. اذ يقدَر ان المئات من المقاتلين الايغور المنحدرين من شينجيانغ قد استقروا في مناطق نفوذ الفصائل الجهادية شمال غرب سورية، ما يثير مخاوف بكين من عودتهم، او استخدامهم كورقة ضغط ضمن لعبة التوازنات الدولية. وقد ادى استمرار غض الطرف عنهم او محاولات احتوائهم سياسيا، الى تعزيز الانطباع بان بعض الاطراف الاقليمية والدولية لا تمانع توظيف هذا الملف في مواجهة الصين بشكل غير مباشر.
حتى الآن لا تزال بكين تلتزم الحذر، مكتفية بتعزيز حضورها الاقتصادي والديبلوماسي في الشرق الاوسط، وتفضيل الشراكات بعيدة المدى على التدخل العسكري. غير ان تزايد المؤشرات على تطويقها استراتيجيا، من خلال تحالفات مدعومة من واشنطن وتل ابيب، قد يدفعها لاحقا لتبني ادوات اكثر فاعلية، سواء بالتنسيق مع موسكو، او عبر حضور امني مباشر في بؤر التوتر.


