مَطِيَّة الولاية الثانية بوابة التصدع والانهيار

مَطِيَّة الولاية الثانية بوابة التصدع والانهيار
تحوّلت الولاية الثانية إلى أداة لتفكك البيت الشيعي وتراجع المشروع الوطني، حيث غلبت المصالح الشخصية على المبادئ الجامعة، مما أدى إلى تصدع الثقة الشعبية وإضعاف الدولة وتآكل وحدة الحكم بعد عام 2003...

منذ سقوط النظام البائد في عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة من التحول السياسي، اتسمت بإعادة تشكيل الهوية الوطنية، وظهور المكونات الاجتماعية والسياسية بشكل أكثر وضوحًا في المشهد العام. وفي هذا السياق، سعت عدة شخصيات سياسية شيعية إلى إبراز القوى السياسية الشيعية كقوة أساسية في المعادلة العراقية، مستندةً إلى واقع ديموغرافي يتمثل في كون الشيعة يشكلون الأغلبية السكانية في البلاد.

وقد حظيت هذه التوجهات بدعم واضح من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، التي وإن لم تتدخل بشكل مباشر في العملية السياسية، إلا أنها شجعت على توحيد الصف الشيعي، حفاظًا على وحدة العراق وضمانًا لتمثيل عادل لجميع مكوناته، لا سيما بعد عقود من التهميش الذي تعرض له الشيعة، ومحاولات طمس هويتهم ودورهم الريادي في بناء الدولة.

تصاعدت وتيرة وحدة البيت الشيعي السياسي خلال السنوات الخمس الأولى بعد التغيير، وهو ما أثار قلقًا لدى عدة دول عربية وأجنبية، دفعتها إلى محاولة تفكيك هذا التحالف عبر تغذية الانقسامات الداخلية والدفع نحو مواجهات مسلحة، خاصة بين التيار الصدري وأتباع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

وظهرت بوادر هذا التصدع بشكل أكثر وضوحًا بعد تولي المالكي رئاسة الحكومة في عام 2006، وسعيه الحثيث نحو الفوز بولاية ثانية، وهو ما أدى إلى احتدام الصراع داخل مكونات الائتلاف الشيعي نفسه.

لقد استمرت هذه الانشقاقات والانقسامات في التفاقم مع تعاقب رؤساء الوزراء من الشخصيات الشيعية، حيث ركّز كل منهم جهوده على تأمين ولاية ثانية، حتى لو جاء ذلك على حساب وحدة “البيت الشيعي”، أو المصلحة الوطنية العليا.

هذا الجموح السياسي نحو البقاء في السلطة أضعف مفهوم “العقيدة الجامعة”، وزعزع ثقة الجمهور، وأدى إلى إهدار الموارد، وتسخير إمكانيات الدولة لخدمة مشاريع شخصية، وكسب ولاءات خارجية وداخلية.

وفي هذا السياق، أصبح “الولاية الثانية” أشبه بـ مطيةٍ سياسية، سعى الجميع لامتطائها، ولو على حساب المبادئ والعقيدة التي تشكّل على أساسها الائتلاف الشيعي، بل وحتى على حساب وحدة العراق واستقراره ، وهكذا تحولت الولاية الثانية من هدف مشروع إلى بوابةٍ للتصدع والانهيار، ليس فقط في البيت الشيعي، بل في منظومة الحكم برمتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *