الدفع المسبق بلا رؤية؛ الدولة تُحمِّل التاجر فشلها

الدفع المسبق بلا رؤية؛ الدولة تُحمِّل التاجر فشلها
فرض الدفع المسبق للرسوم الكمركية يعكس افتقارًا للرؤية الاقتصادية، ويثقل كاهل التاجر دون ضمانات تنظيمية، مما يؤدي إلى تجميد الأموال، وهروب نحو السوق السوداء، ويؤكد الحاجة إلى ستراتيجية شاملة لا قرارات ارتجالية عقابية....

قرارات رد الفعل… لا تُبنى بها دولة ولا تُحمى سوق

في كل مرة يشهد فيها الاقتصاد العراقي اضطرابًا في السوق، أو ارتفاعًا في سعر الصرف، أو شحة في الجباية غير النفطية، نرى سلسلة من القرارات الحكومية تُصدر على عجل، بلا رؤية واضحة أو خارطة طريق اقتصادية شاملة. القرار الأخير المتعلق بـ”الدفع المسبق للرسوم الكمركية” قبل تنفيذ التحويل المالي للمستوردين، هو نموذج صارخ لما يمكن تسميته بـ”إدارة الأزمات بردود الفعل” بدلًا من قيادة الاقتصاد بالفعل والتخطيط.

غياب الرؤية الاقتصادية

القرار الذي ألزم المستوردين بالدفع الكامل للرسوم الكمركية مقدمًا، ورهن التحويل الخارجي بالحصول على بيان كمركي مسبق، لم يُبَنَ على دراسة قطاعية، ولا استشارة لجهات سوقية مختصة، ولا قراءة لواقع التاجر العراقي ومشكلاته البنيوية في التوريد والتمويل. بل جاء كرد فعل مباشر على أزمة السيطرة على سوق العملة، ومحاولات تعظيم الجباية، دون مراعاة لما سيسببه من شلل في حركة الاستيراد.

هل هناك خطة لتبسيط الإجراءات الجمركية بالمقابل؟ هل تم توفير منصة إلكترونية متكاملة تربط المصارف بالهيئة العامة للكمارك؟ هل تم إشراك القطاع الخاص في رسم هذا التوجه؟ الجواب الواضح: لا.

تجميد رؤوس الأموال… بدل تنشيطها

بدل أن يعمل القرار على تحفيز التجارة وتقوية الدورة النقدية، جاء ليفرض على التاجر تجميد جزء كبير من أمواله عبر الدفع المسبق، دون أن يضمن سرعة دخول بضاعته أو حتى عدم عرقلتها في المنافذ. هذا القرار يتجاهل أن معظم التجار العراقيين يعانون أصلًا من محدودية رأس المال، وأن السوق العراقية لا تزال تتنفس من خلال الاستيراد شبه الحر، في غياب صناعة وطنية قوية.

إن فرض هذا النوع من الالتزامات دون مقابل تنظيمي أو تشغيلي يعادلها، هو بمثابة إفراغ للتاجر من أدواته بدلًا من تمكينه.

قرارات من الأعلى… وميدان غائب

ما يُثير القلق هو أن القرارات الكبرى تُطبخ في الغرف المغلقة، بعيدًا عن نبض السوق. لم نرَ دراسة ميدانية تسبق القرار. لم نطّلع على ورقة تحليلية حكومية تقيس أثر هذه الإجراءات على النشاط التجاري، لا على مستوى التجار الكبار ولا على صغار المستوردين. لم تُعرض ستراتيجية تنظيم التجارة الخارجية على البرلمان أو الغرف التجارية أو حتى الإعلام الاقتصادي المتخصص.

وكأن السلطة تقول: نحن نقرر، وأنتم تنفذون، والآثار الجانبية لا شأن لنا بها.

السوق لا تُدار بالعقوبات… بل بالثقة

فرض المزيد من القيود والرقابة والرسوم، دون مقابل تنظيمي أو تحفيزي، يعكس منطقًا عقابيًا في إدارة الاقتصاد، لا منطقًا تنمويًا. والأخطر من ذلك أن هذه الإجراءات ستدفع عددًا من التجار للهروب نحو المنافذ الأقل تشددًا، أو حتى نحو السوق السوداء في التحويل والتمويل، وهو ما يُضعف مؤسسات الدولة بدل أن يقويها.

كيف تُقنع التاجر بأن يتحمل عبء الدفع المسبق، في حين لا تضمن له عدالة التطبيق في جميع المنافذ، خصوصًا في الإقليم والمنافذ الخاصة؟ كيف تطلب منه الثقة وأنت لا توفر له الاستقرار، ولا وضوح في القرار، ولا حتى مخرج قانوني سريع حين تتعطل الإجراءات؟

أين هي الإستراتيجية؟

كان الأجدر بالحكومة والبنك المركزي، قبل إصدار هذا القرار، أن يطرحا خطة اقتصادية متكاملة لتنظيم الاستيراد والجباية، تتضمن:

  • نظامًا جمركيًا رقميًا موحدًا ومعلنًا.
  • تبسيطًا للإجراءات وتقليلًا للزمن الكمركي.
  • تصنيفًا للسلع حسب الأولوية والأهمية الاقتصادية.
  • إشراكًا حقيقيًا لغرف التجارة والقطاع الخاص.
  • أدوات تحفيزية موازية للضبط والرقابة.

بدون كل هذا، ستبقى القرارات متخبطة، مؤقتة، مرهقة للتاجر والمستهلك، وتُنتج الأزمات بدل أن تحلها.

 الخلاصة

العراق بحاجة إلى “إدارة اقتصادية رشيدة”، لا إلى قرارات متفرقة تتعامل مع كل مشكلة بأسلوب الإطفائي لا المخطط. ما يحدث اليوم يعكس غياب الرؤية، وانفصال الإدارة عن السوق، وتكرار نمط خطير: حين تفشل الدولة في التنظيم، تلجأ للتضييق.

التنمية لا تُبنى على قرارات رد الفعل، بل على ستراتيجيات شاملة طويلة النفس، تُشرك الجميع، وتمنح الثقة، وتوازن بين الانضباط والتحفيز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *