عاشوراء و منظومة القيادة !

عاشوراء و منظومة القيادة !
تتميز القيادة في الفكر الشيعي بمنظومة دائمة الإبداع تعتمد على مبدأ الإمامة الإلهية، وتجدد القيادات مهما اشتد العدوان، كما أن ثورة عاشوراء تمثل نموذجاً لهذا الامتداد القيادي الخلاق والمتجدد في مواجهة الطغاة عبر التاريخ....

فلسفة القيادة في العقل الشيعي تختلف عن غيرها من الفلسفات في النظم السياسية ، فهي ليست كغيرها من حيث المبدأ و التطور و من حيث الديمومة في التصدي و الإبداع و ” الإنتاج القيادي ” .

المنظومة القيادية في الفكر الشيعي لها دعامات ثابتة فشلت السرديات التي ساقها خصومه في تقديم رؤية مقنعة حولها والتي في اغلبها ” شمولية” و ” شعبوية” لا تستند إلى منطق التاريخ جاهلة بحقيقة صادمة للخصوم و الطغاة و لاصحاب ” الفوضى الخلاقة ” و للذين يسعون بيأس و غدر و دجل تسلق ” عرش امبراطورية الشرق” ، الحقيقة التي تمثلت في ان ” القيادة ” ومنظوماتها في الفكر الشيعي لها ميزة انفردت بها عن باقي المدراس و المنظومات القيادية بانها منتجة و مبدعة وخلاقة استمراريتها في هذا النهج تستند إلى عامل الميتافيزيقي الإلهي المتجذر في التاريخ الشيعي منذ ان رفع نبي الإسلام محمد صلى عليه واله يد علي ع في يوم الاحزاب و سلمه ” راية القيادة ” و انتصر به و بتلك الراية على ظاهرة ” الصدمة ” و القوة العددية و العتادية للعدوا وهي عاجزة  ومازالت ليومنا هذا عن فهم مغزى تسليم الراية لرجل ” يحبه الله و رسوله ” و هي تتنقل من يد إلى يد و من جيل إلى جيل و من قرن إلى قرن ، و لم يكن باستشهاده في محرابه نهاية او سقوط للراية بل تحولت إلى منظومة قيادية محسوبة بحسابات دقيقة علمية الهية استراتيجية ، علي ع كان أوله و لم يكن امام الشيعة الاثنى عشر آخرهم رغم التحديد الرقمي و انحصار الديني في رقم ١٢ كقيادة منصوصة بنص الهي يعجز العقل الغربي و ما دونه من فهمه !

تميز الفكر الشيعي بهذه الخصوصية دون المذاهب و الاديان و الطوائف كلها ، بمفرداتها و ادبياتها و اليات تنفيذها و التي بدورها فريدة في تطبيقاتها و المنهجية المتبعة في استمراريتها والتي اثبتت الاحداث التاريخية على صدقيتها و ثباتها و قوة تأثيرها على اتباعها و مناصريها و المحبين لها !

قضية عاشوراء ليست فقط سردية للحالة التراجيدية التي لازمت أحداثها بل هي استمرارية للمنظومة القيادية الولادة التي احدثت ثورة في المفاهيم و الأفكار و المواقف و صنعت قادة تاريخيين يزخر بهم التاريخ منذ معارك صفين و الجمل و نهروان و ثم معركة كربلاء و ثورتها التي قادها الامام الثائر الحسين ابن علي عليه السلام ، و استمرت في العطاء القيادي دون توقف ليومنا هذا وهي مستندة في استمراريتها كما اسلف على مبدأ غدى مفردة ثابتة في الذاكرة الشيعية وهو مبدأ   ” الإمامة ” كمنظومة قيادية خلاقة و ” ولادة ” لقادة و زعماء يعجز الخصوم القضاء عليهم مهما بلغوا ما بلغوا في عدوانهم  و وحشيتهم و استهدافهم لهم !

كما ان الانفتاح الذي عرفه الفكر الشيعي و المرونة في اختيار قادة و ائمة صالحين عبر آليات شفافة يرسخها الرأي العام الشعبي الشيعي ضمن تبادل الثقة بين القاعدة و القيادة و في اطار نظرية الإمامة اعطى للمنظومة القيادية مساحة واسعة للتحرك و التغلب على العقبات و اختيار الأصلح و الأعدل و الأفقه و الأكثر كفاءة في الادارة و التدبير .

في عاشوراء الذين استشهدوا لم يكونوا أفرادا عاديين، بل منظومة كاملة متكاملة من القيادة تمت إبادتها من قبل جيش كلاسيكي مدجج في ذلك الزمان باحدث الأسلحة الفتاكة ، فقد استشهد اكثر من ٧٢ قائدا و على رأسهم الامام الحسين ع ، كان الواحد منهم فقيها و عالما و امة في رجل ، ” ان ابراهيم كان امة قانتا لله …”!

فقد كان هؤلاء القادة مشاريع قيادة و شهادة ولما استشهدوا تصور الاعداء ان هذه المدرسة ستكون عقيمة في انجاب قادة جدد يقودون المسيرة إلى الامام ، فلم تمضي ايام معدوة حتى برزت قيادة الامام زين العابدين ع و كانت له محطته التاريخية في ترسيخ مدرسة جديدة في ادارة المعركة الرسالية مع الطغاة بادبيات و مفردات تناسب ذلك الزمان لم يعهدها الخصوم ولا الاعداء تخرج منها الالاف من القادة انتشروا في بقاع الارض فجروا ثورات و أقاموا دول بعد دول عبر محطات مختلفة من التاريخ ، حدث ذلك بعد استشهاد الامام الحسين ع مهدت له ثورات تمهيدية قادها رجال أشداء ادخلهم الطغاة في السجون قبل معركة كربلاء ، كسليمان صرد الخزاعي و امثاله و ثورة المختار، ثم توالت الثورات التي أطاحت بإمبراطوريات الشر التي كان يحلم بها بغاة بني امية و بني العباس  لتسود ليس فقط الشرق الأوسط وغرب اسيا بل كل العالم كما قال احد طغاة بني العباس مخاطبا سحابة السماء ” اينما تمطري فان خراجك لي” !!

فلم يبقى من تلك الدول و الامبراطوريات التي اقيمت على جماجم الأبرياء إلا ذكريات سخيفة يتغنى بها البعض عدوا بغير علم ، فيما الحسين ع بقي رمزا خالدا تتجدد ثورته في القلوب و الضمائر في كل عصر و زمان .

” كذب الموت فالحسين مخلد كلما اخلق الزمان تجدد “!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *