فلسفة القيادة في العقل الشيعي تختلف عن غيرها من الفلسفات في النظم السياسية ، فهي ليست كغيرها من حيث المبدأ و التطور و من حيث الديمومة في التصدي و الإبداع و ” الإنتاج القيادي ” .
المنظومة القيادية في الفكر الشيعي لها دعامات ثابتة فشلت السرديات التي ساقها خصومه في تقديم رؤية مقنعة حولها والتي في اغلبها ” شمولية” و ” شعبوية” لا تستند إلى منطق التاريخ جاهلة بحقيقة صادمة للخصوم و الطغاة و لاصحاب ” الفوضى الخلاقة ” و للذين يسعون بيأس و غدر و دجل تسلق ” عرش امبراطورية الشرق” ، الحقيقة التي تمثلت في ان ” القيادة ” ومنظوماتها في الفكر الشيعي لها ميزة انفردت بها عن باقي المدراس و المنظومات القيادية بانها منتجة و مبدعة وخلاقة استمراريتها في هذا النهج تستند إلى عامل الميتافيزيقي الإلهي المتجذر في التاريخ الشيعي منذ ان رفع نبي الإسلام محمد صلى عليه واله يد علي ع في يوم الاحزاب و سلمه ” راية القيادة ” و انتصر به و بتلك الراية على ظاهرة ” الصدمة ” و القوة العددية و العتادية للعدوا وهي عاجزة ومازالت ليومنا هذا عن فهم مغزى تسليم الراية لرجل ” يحبه الله و رسوله ” و هي تتنقل من يد إلى يد و من جيل إلى جيل و من قرن إلى قرن ، و لم يكن باستشهاده في محرابه نهاية او سقوط للراية بل تحولت إلى منظومة قيادية محسوبة بحسابات دقيقة علمية الهية استراتيجية ، علي ع كان أوله و لم يكن امام الشيعة الاثنى عشر آخرهم رغم التحديد الرقمي و انحصار الديني في رقم ١٢ كقيادة منصوصة بنص الهي يعجز العقل الغربي و ما دونه من فهمه !
تميز الفكر الشيعي بهذه الخصوصية دون المذاهب و الاديان و الطوائف كلها ، بمفرداتها و ادبياتها و اليات تنفيذها و التي بدورها فريدة في تطبيقاتها و المنهجية المتبعة في استمراريتها والتي اثبتت الاحداث التاريخية على صدقيتها و ثباتها و قوة تأثيرها على اتباعها و مناصريها و المحبين لها !
قضية عاشوراء ليست فقط سردية للحالة التراجيدية التي لازمت أحداثها بل هي استمرارية للمنظومة القيادية الولادة التي احدثت ثورة في المفاهيم و الأفكار و المواقف و صنعت قادة تاريخيين يزخر بهم التاريخ منذ معارك صفين و الجمل و نهروان و ثم معركة كربلاء و ثورتها التي قادها الامام الثائر الحسين ابن علي عليه السلام ، و استمرت في العطاء القيادي دون توقف ليومنا هذا وهي مستندة في استمراريتها كما اسلف على مبدأ غدى مفردة ثابتة في الذاكرة الشيعية وهو مبدأ ” الإمامة ” كمنظومة قيادية خلاقة و ” ولادة ” لقادة و زعماء يعجز الخصوم القضاء عليهم مهما بلغوا ما بلغوا في عدوانهم و وحشيتهم و استهدافهم لهم !
كما ان الانفتاح الذي عرفه الفكر الشيعي و المرونة في اختيار قادة و ائمة صالحين عبر آليات شفافة يرسخها الرأي العام الشعبي الشيعي ضمن تبادل الثقة بين القاعدة و القيادة و في اطار نظرية الإمامة اعطى للمنظومة القيادية مساحة واسعة للتحرك و التغلب على العقبات و اختيار الأصلح و الأعدل و الأفقه و الأكثر كفاءة في الادارة و التدبير .
في عاشوراء الذين استشهدوا لم يكونوا أفرادا عاديين، بل منظومة كاملة متكاملة من القيادة تمت إبادتها من قبل جيش كلاسيكي مدجج في ذلك الزمان باحدث الأسلحة الفتاكة ، فقد استشهد اكثر من ٧٢ قائدا و على رأسهم الامام الحسين ع ، كان الواحد منهم فقيها و عالما و امة في رجل ، ” ان ابراهيم كان امة قانتا لله …”!
فقد كان هؤلاء القادة مشاريع قيادة و شهادة ولما استشهدوا تصور الاعداء ان هذه المدرسة ستكون عقيمة في انجاب قادة جدد يقودون المسيرة إلى الامام ، فلم تمضي ايام معدوة حتى برزت قيادة الامام زين العابدين ع و كانت له محطته التاريخية في ترسيخ مدرسة جديدة في ادارة المعركة الرسالية مع الطغاة بادبيات و مفردات تناسب ذلك الزمان لم يعهدها الخصوم ولا الاعداء تخرج منها الالاف من القادة انتشروا في بقاع الارض فجروا ثورات و أقاموا دول بعد دول عبر محطات مختلفة من التاريخ ، حدث ذلك بعد استشهاد الامام الحسين ع مهدت له ثورات تمهيدية قادها رجال أشداء ادخلهم الطغاة في السجون قبل معركة كربلاء ، كسليمان صرد الخزاعي و امثاله و ثورة المختار، ثم توالت الثورات التي أطاحت بإمبراطوريات الشر التي كان يحلم بها بغاة بني امية و بني العباس لتسود ليس فقط الشرق الأوسط وغرب اسيا بل كل العالم كما قال احد طغاة بني العباس مخاطبا سحابة السماء ” اينما تمطري فان خراجك لي” !!
فلم يبقى من تلك الدول و الامبراطوريات التي اقيمت على جماجم الأبرياء إلا ذكريات سخيفة يتغنى بها البعض عدوا بغير علم ، فيما الحسين ع بقي رمزا خالدا تتجدد ثورته في القلوب و الضمائر في كل عصر و زمان .
” كذب الموت فالحسين مخلد كلما اخلق الزمان تجدد “!


