بينما تتصاعد تداعيات اتفاقية التجارة الحرة بين العراق والكويت، يبقى خور عبد الله في قلب الإشكال القانوني والجيوسياسي الذي يعصف بالسيادة العراقية. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حدودي أو تفاهم اقتصادي، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة العراقية على حماية ممرها البحري الوحيد، في وجه اتفاقيات يُراد لها أن تمرّ بسلاسة، بينما تُخفي بين سطورها تهميشًا صريحًا لدور العراق الاستراتيجي في المنطقة.
يأتي هذا الجزء استكمالًا لتحليل أبعاد هذه الاتفاقية، بالتركيز على المادة 14 التي تشكّل العمود الفقري لمشروع هندسة قانونية جديدة تُقصي العراق من خور عبد الله، وتعيد توجيه الممرات البحرية وفق معادلات إقليمية غير متكافئة. وسنحاول هنا تفكيك هذه المادة ومحاولة ربطها بالمخططات الأوسع، إقليميًا ودوليًا، لفهم كيف يتحول خور عبد الله من ممر سيادي إلى بوابة يُعاد تشكيلها وفق مصالح غير عراقية.
تُعد المادة 14 من اتفاقية التجارة الحرة بين العراق والكويت بمثابة القلب القانوني النابض لمشروع جيوسياسي تتجاوز تأثيراته مجرد تبادل تجاري، لتطال صميم السيادة العراقية على خور عبد الله. فهذه المادة لا تُقاس بخطابها المعلن، بل بما تُنتجه من آثار استراتيجية بعيدة المدى؛ إذ تُكرّس واقعًا جديدًا يُتيح لميناء مبارك الكبير الكويتي التمدد عبر الممر البحري العراقي، في مقابل تقليص فعلي لدور الموانئ العراقية وخنق موقع العراق على خارطة النقل الإقليمي.
إن هذه المادة لا تُهدّد مجرد بند اقتصادي، بل تضرب أربعة أعمدة سيادية متداخلة:
القرار الاقتصادي العراقي، الذي يُراد له أن يُدار وفق اشتراطات غير عراقية؛
الموقع الجيوستراتيجي للعراق ضمن مشروع “طريق الحرير”، حيث يتحوّل إلى هامش لا إلى محور؛
مستقبل الموانئ العراقية، التي باتت مهددة بالتهميش في ظل تنامي الهيمنة الكاملة لميناء مبارك؛
والأخطر : إعادة تعريف دور العراق من دولة سيادية إلى ممر صامت لا يُؤخذ رأيه في رسم الخرائط.
يحذّر الاقتصاديون والمختصون في القانون الدولي من خطورة الاتفاقيات الفضفاضة التي تتعمّد إغفال المرجعيات الداخلية وتحيل النزاعات إلى أطراف دولية، دون اشتراط أدوات سيادية لحل الخلاف. مثل هذه الاتفاقيات تتحوّل مع الوقت إلى أفخاخ قانونية تُكبّل الدولة بدل أن تحمي مصالحها. وهذا تمامًا ما ينطبق على الاتفاقية الحالية، التي تبدو في ظاهرها تعاونًا تجاريًا، بينما تخفي في جوهرها آلية ناعمة لإضفاء شرعية قانونية على مشروع الهيمنة الكويتية على خور عبد الله. فبدل أن تضمن الاتفاقية حماية الممر البحري العراقي الوحيد، تُستخدم كأداة لإعادة توجيه السيادة باتجاه الخارج، تحت غطاء من الدبلوماسية الناعمة.
وعليه، فإن التعامل مع الاتفاقيات التجارية يجب ألا يُبنى على افتراض حسن النوايا أو يُختزل في البعد الرمزي للدبلوماسية، بل يجب أن يُنظر إليها باعتبارها عقودًا سيادية مُلزمة، تُعيد تشكيل خرائط النفوذ، وتُحدّد مصير الدول لعقود مقبلة. واتفاقية العراق والكويت، بما تتضمنه من بنود مموّهة مثل المادة 14، ليست استثناءً، بل نموذج صارخ لاتفاق يُعاد من خلاله ترسيم حدود النفوذ في خور عبد الله، عبر آلية قانونية مُحكمة تُغلف الهيمنة بسياسة “التعاون”، وتُخفي التنازل خلف عبارات تجارية فضفاضة.
من أبرز الملاحظات الفنية والقانونية على اتفاقية التجارة الحرة بين العراق والكويت، افتقارها إلى الحد الأدنى من البنود والشروط التفصيلية التي تُدرج عادة في الاتفاقيات المشابهة. هذا الغياب لا يبدو عفويًا، بل يوحي بنيّة مبيّتة لاختزال النص القانوني وتبسيطه عمدًا لإخفاء أجندات أكبر خلف واجهة التعاون الاقتصادي. وفي هذا السياق، تصبح الصياغة المختصرة أداة تضليل لا أداة شفافية، إذ تُسخَّر لإضفاء شرعية شكلية على تغيّر جغرافي واقعي بدأ فعليًا في خور عبد الله، حيث يتم التمهيد لفرض الأمر الواقع بحبر قانوني ناقص يُخفي لا يُظهر، ويشرعن لا يشرح.
إن محدودية النص—الذي لا يتجاوز ثماني صفحات ويخلو من أي تفاصيل تقنية أو ضمانات قانونية واضحة—تدفع أي قارئ مختص إلى استنتاج حتمي: أن هذه الاتفاقية لم تُصغَ بهدف تنظيم التبادل التجاري بقدر ما صُمّمت كغطاء تمهيدي لتمكين مشروع ميناء مبارك الكبير من النفاذ عبر خور عبد الله، الممر البحري العراقي الذي يُراد تحويله إلى قناة خدمية للمصالح الكويتية. والنتيجة أن الاتفاقية ، بدل أن تُحصّن السيادة العراقية، تُجهّز مسارًا قانونيًا لإعادة هيكلة السيطرة البحرية والإقصاء التدريجي للعراق من معادلات القرار الوطني في المياه الإقليمية.
اللافت أن بقية مواد الاتفاقية تبدو منقولة بحرفية أو مع تصرّف طفيف من اتفاقيات سابقة، إقليمية أو ثنائية، سبق أن وُقّعت بين العراق والكويت في فترات سابقة. هذا التكرار يطرح تساؤلًا جادًا: لماذا هذا التبسيط غير المعتاد في وثيقة يُفترض أن تُشكّل إطارًا راسخًا لتعاون اقتصادي طويل الأمد؟ الجواب يكمن—كما يظهر في نص المادة 14—في أن الغاية الحقيقية لا تتعلق بتنظيم التجارة، بل بتأسيس غطاء قانوني يعيد تفعيل التفاهمات السابقة بشأن خور عبد الله، ويفرض أمرًا واقعًا كان قد تعثر سياسيًا في الماضي، ليُعاد تمريره اليوم تحت عنوان اقتصادي .
يبرز هنا تساؤل منطقي ومشروع: هل نحن أمام اتفاقية صاغها غير المتخصصين؟
هذا الاحتمال يبدو مستبعدًا تمامًا، بالنظر إلى ما تمتلكه كل من العراق والكويت من خبرات قانونية ودبلوماسية قادرة على صياغة النصوص بأعلى درجات الدقة. ولذلك، فإن التبسيط المفرط والمحتوى المُفرغ من التفاصيل لا يمكن تفسيره إلا بوجود نية مبيّتة لإخفاء مشروع أوسع يُراد تمريره من خلال مادة محورية واحدة: المادة 14. هذه المادة، في جوهرها، لا تخدم التعاون الاقتصادي، بل ترسم خارطة سيطرة قانونية على خور عبد الله، تُمنح للكويت تحت مظلة “التجارة الحرة”، بينما يجري إقصاء العراق من آخر منفذ بحري فعّال له بطريقة قانونية ناعمة.
وهنا يفرض المشهد سؤالًا أكثر دقة وعمقًا:
هل صيغت هذه الاتفاقية كوثيقة سيادية جديدة قائمة بذاتها، أم أنها مجرد ملحق تنفيذي مموّه لاتفاقيات سابقة ظلّت معطّلة بسبب غياب السيطرة الميدانية على المياه المشتركة؟
القراءة الدقيقة تُرجّح الاحتمال الثاني بقوة. فكل ما في بنية الاتفاقية—من اختزال النصوص إلى تغييب التفاصيل—يُشير إلى أنها ليست سوى حلقة ضمن سلسلة قانونية أكبر، لا تكتمل إلا بفرض السيطرة الكويتية الفعلية على خور عبد الله. إنها ليست اتفاقية تبادل تجاري، بل مفتاح تفعيل منظومة سابقة، طالما توقفت عند عتبة الجغرافيا… واليوم يُراد لها أن تُستكمل بالقانون.
في هذا السياق، تبرز تساؤلات حاسمة لا يمكن تجاهلها:
ما هي الاتفاقية أو التفاهمات السابقة التي بقيت مجرّد حبر على ورق، وتعذّر تنفيذها بسبب غياب السيطرة الكويتية على خور عبد الله؟
وهل المادة 14 تُستخدم الآن لتفعيل ذلك النص المؤجل؟
ثم، ما هي الاتفاقية التالية التي يجري إعداد الأرضية القانونية والسياسية لها، لتُحوّل ميناء مبارك الكبير إلى بوابة خلفية تعبر منها المصالح الإقليمية إلى العمق العراقي، دون إذن أو شراكة حقيقية مع العراق؟
إن هذه الأسئلة ليست افتراضية، بل تُلقي الضوء على شبكة ترابط قانوني تُستخدم فيها خور عبد الله كبنية ارتكاز قانوني لتحولات إقليمية تتجاوز ظاهر النصوص، وتستبطن مشروعًا استراتيجيًا يمس جوهر السيادة الوطنية .
للإجابة على هذه التساؤلات، يجب العودة إلى محطة محورية في خارطة الاتفاقات الإقليمية: يوم 22 حزيران 2009، حين تم توقيع اتفاقية استراتيجية بين مجلس التعاون الخليجي ودول رابطة التجارة الحرة الأوروبية (إفتا)، التي تضم كلاً من سويسرا، النرويج، آيسلندا، وليختنشتاين .
ما بدأ كاتفاقية تجارية بسيطة، يتّضح يومًا بعد آخر أنه امتداد لمسار استراتيجي أكبر، يحتاج إلى تفكيك دقيق واستكمال تحليلي… وهو ما سنواصل كشفه في الجزء الثالث.


