علينا أن نعيد الرؤية في فهمنا للبُعد العقائدي و كيف نجسّد المفاهيم الروحية و الأبعاد الأخلاقية للقضية الحسينيّة في حياتنا اليوميّة.
على وجه العموم لا تؤخر الطقوس من التقدم السياسي و الاِجتماعي و الاِقتصادي للبلد، و إن حدث ذلك فهو سوء تخطيط من الحكومة نفسها.
في الدول الإسكندنافية -التي تعدّ حكوماتها من أنزه و أسخى الحكومات في العالم، و شعبها الذي يعدّ من أسعد شعوب العالم؛ لتجسيد المبادئ الإنسانية و القيم الأخلاقية و الروحيّة في حياته العامّة- نرى ممارسات لطقوس مختلفة .. فمثلا في السويد في شهر يونيو يحتفل الشعب بعيد منتصف الصيف
حيث يرقص الناس حول عمود مزخرف، و يضعون الزهور على رؤوسهم، ويأكلون أطعمة تقليدية. و تعود هذه الممارسات إلى عصور ما قبل المسيحية.
و “عيد سانتا لوسيا” طقس شتوي لإحياء ذكرى “القديسة لوسيا” يمزج بين الطابع المسيحي و الفولكلوري، يضمّ مواكبًا من الفتيات يحملن الشموع ويرتدين أردية بيضاء.
و غيرها الكثير من الطقوس التي لا يسعني ذكرها.
بصفتنا موالون لنهج محمد و آله علينا أن نفهم ثلاثة أبعاد و نفهم كيف نوظفها بشكلها الصحيح.
البعد الروحي: هو الجوهر و الغاية التي ننطلق منها و بها، و نسعى لرقشها في أرواحنا و أرواح الأجيال التالية، ما إن نسمع بالحسين بن علي يعني أننا سمعنا بالكرامة و التضحية و الإباء و الشجاعة و القوة.
البعد التطبيقي: هو التجسيد و التطبيق للبعد الروحي، و كيفية توظيفه في حياتنا و ممارساتنا و تعاملنا مع الآخرين، إذ يحتاج هذا البعد لمبدأ ثابت و أساس رصين يحيي الضمير و يوقضه من عجزه.
البعد المسمّياتي: عكس البعد التطبيقي و هو تجسيد المبدأ الروحيّ من خلال الطقوس و المراسيم فقط، و الحكم على الآخرين بالمسمّيات و المظاهر.
و جوهر الإشكالية يمثّل الفارق بين البعد التطبيقي و المسمّياتي فهو فارق ضئيل جدا و يكاد أن يكون معدومًا.
مشكلة الفرد الشيعي “المعاصر” أنه لا يعي كيف يوظف الأبعاد الروحية في القضية الحسينية. و عليه طغى البعد المسمّياتي على كل الأبعاد بما فيها البعد الروحي.
فاليوم نرى الطقوس بأشكالها المستحدثة و الدخيلة مجردة من أي أبعاد أخلاقية و إحيائية للذكرى، إنما إعادة قوالب جاهزة في كل عام، ما إن يجيء شهر محرّم نرتدي ثوب السواد و نجهّز الطعام و الشراب و نقرع الطبول و نرفع السيوف و نسير للأضرحة و نلطم الصدور، ما إن نتنهي فترة الإحياء نعود لنكمل دون أن نحمل أي بعد أخلاقي و معنوي و إنساني.
فصار اِسم الحسين رمزًا للطقوسيات بدلا من أن يكون رمزا للإنسانية.
ظلّ الفرد الشيعي محارَبًا عبر التاريخ من الدولة الأمويّة ثمّ العباسيّة مرورًا بالدولة العثمانية، لأسباب سياسية و اجتماعية و عقائدية و حتّى ديموغرافية، أما اليوم فنحن الذين نحارب أنفسنا و نحن الذين نقتل الحسين كل عام بجهلنا و تعسّفيتنا.
يقول ابن خلدون “شعور الإنسان بجهله معرفة”.
معرفة القضية الحسينية بشكلها الأبلج يكمن في معرفتنا لجهلنا بها، لا بقرع الطبول و شق الثياب.
يجب أن ندرك مفهوم “الذكر” في قول السيدة زينب بنت عليّ ” فوالله لا تمحو ذكرنا و لا تميت وحينا ” فهي لم تقصد إحياء الذكر بالطقوس فقط، إنما في الحفاظ على ما حلّ بهم لأجله، فهل قتل الحسين لأجل أن نشقّ رأسنا بالسيف؟ و هل قتل أهل بيت النبوّة العظام لأجل ذلك؟
إذن نحن نكرّر الصورة بدلا من أن نكرر الغاية، و هذه هي ذروة جهل التوظيف الروحي في حياتنا.
فالتركيز على المظهر و المسمّى يدعو لاِندثار التطبيق الصحيح للغاية التي دعتنا لها القضية الحسينيّة.
و اِستمرار الجهل بهذه المفاهيم يقودنا لكارثة عارمة، فنرى اليوم القصائد الحسينيّة مزجت بالألحان و الموسيقى و صارت تدعو للحماس بدلا من الاستذكار و البكاء.
و لا ضير أن أستمع لألف أغنية على أن أستمع لقصيدة واحدة معاصرة من هذا القبيل.
و هذا ما رأيناه في مضمون الطقوس، فأدخلت عادات لا أصل لها و أدرجت من شعائر الله، مثل طقوس المشعل الهندوسية التي لا أصل لها إنما ابتدأت بشعلة لإنارة الطريق، و إن بيّنت ذلك أو اعترضت سوف يخرسك الوعاظ بأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان.
أنا لست بذلك معاديًا للقضية، فأنا اِبنها و اِبن هذا النهج، و أنا ولدت على نهج الحسين و سوف أموت على نهجه، إنما يجب علينا أن نستيقض من غفوتنا و أن ندرك جهلنا و أن نعرف طريقنا و أن نفهم الحسين و نفهم غاية الحسين و طريق الحسين.
الحسين هو معاملتك مع أهلك و زوجتك و أولادك و العامّة، و نزاهتك في عملك، و إخلاصك لناسك، و ضميرك الحيّ، و تهذيب نفسك، و مساعدتك للآخرين و اجتناب الحرام و الحفاظ على نظافة بلدك و كظم غيظك و حسن سلوكك و معاينة المسكين و العاجز و التعاون مع الناس و العدالة و المساواة و التواضع و الصدق.
لنكن حسينيّين كلّ يوم، و لا نقصر قضيّة الحسين بإحياء المراسيم و الطقوس فقط.


