في ظلّ ما تشهده منطقتنا من أزمات سياسية وصراعات داخلية، تتكرر على ألسنة السياسيين والمثقفين كلمة “الوطنية” وكأنها القيمة الخلاصية، أو المبدأ الجامع الذي لا يُسأل ولا يُراجع. لكن، وسط هذا الزخم، يقف الإنسان العربي حائرًا أمام مفهوم طالما بدا نبيلًا، قبل أن يتحول شيئًا فشيئًا إلى وسيلة لإعادة تشكيل الولاءات، وتبرير الانقسامات، وتكريس الخرائط المصطنعة.
الوطنية، في أصلها، شعور فطري بالانتماء، والتعلّق بالأرض، والاعتزاز بالهوية، والاستعداد للتضحية في سبيل السيادة والكرامة. غير أن هذا الشعور، حين يُسلّع سياسيًا، يتحول إلى مصطلح مرن، يُعاد تشكيله بحسب الحاجة، وتُرسم معالمه وفق خرائط القوى الكبرى، لا بناءً على إرادة الشعوب. وهكذا، تحوّلت الوطنية في السياق العربي الحديث إلى بناء أيديولوجي هشّ، يُستخدم تارة لتمجيد أنظمة، وتارة لتفكيك مجتمعات، وتارة ثالثة لصناعة أوطان جديدة على حساب أوطان أقدم وأعمق.
إذا عدنا إلى تاريخ تأسيس الكيانات العربية الحديثة، سنجد أن اتفاقية “سايكس–بيكو” عام 1916 كانت لحظة مفصلية في هذا التحوّل. هذه الاتفاقية لم تُقسّم الأرض فحسب، بل أعادت تشكيل مفهوم الانتماء، فتم الترويج لمفهوم “الوطن” وفق حدود جغرافية رسمها المستعمر، وربط هوية الإنسان بموقعه داخل تلك الحدود، لا بانتمائه الثقافي أو التاريخي. وهكذا، نشأت “الوطنية” الجديدة بوصفها ولاءً مصطنعًا لكيانات سياسية حديثة، لا تُعبّر بالضرورة عن تاريخ الشعوب ولا عن طموحاتها.
بمرور الوقت، تقلّص هذا المفهوم أكثر، حتى صار يُستخدم لتبرير الانقسام داخل الدولة الواحدة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، باسم “الخصوصية”، أو “الفيدرالية”، أو “الهوية المحلية”. فشهدنا تقسيم السودان، وتعزيز الانقسام في اليمن، وتصاعد الدعوات لتفتيت العراق وسوريا، وكل ذلك باسم الوطنية. ومع ما عُرف بطوفان الأقصى، خرجت إلى العلن خطط جديدة لإعادة رسم الشرق الأوسط، لا وفق تطلعات الشعوب، بل وفق ما يتوافق مع الرؤية الأمنية والاقتصادية لإسرائيل. وقد عبّر عن ذلك صراحة المبعوث الأميركي إلى لبنان حين قال إن حقبة سايكس–بيكو انتهت، وإننا على مشارف خرائط جديدة تُصاغ وفق مصالح دولية، لا وفق حقائق تاريخية.
لكن هذه الخرائط لا تُفرض دفعة واحدة، بل عبر مراحل: تبدأ بالرفض الشعبي، ثم تُروّج تدريجيًا، إلى أن تُفرض كأمر واقع. ويُجند الشباب في أوطانهم الجديدة ليقاتلوا شباب الأوطان المجاورة، التي لم تكن حتى الأمس سوى جزء من وطنهم الواحد. وهكذا، تتحول الوطنية من رابطة جامعة إلى أداة للتحريض، ووسيلة لتبرير الاقتتال، تحت مسمى الدفاع عن “الوطن الجديد”. فهل هذه هي الوطنية التي ننادي بها وندافع عنها؟
حين نتأمل هذا التحوّل، ندرك أن مفهوم الوطنية في صورته الحالية قد يتعارض أحيانًا مع المبادئ الإنسانية الأشمل، لأنه يختزل الإنسان في جغرافيا، ويجرده من المشتركات الأخلاقية. ولعل أبلغ ما يُقال في هذا السياق هو ما قاله الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: “الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”. مقولة تُلخّص المقياس الإنساني الأرقى، وتُذكّرنا بأن حدود الجغرافيا لا ينبغي أن تكون سجنًا للأخلاق، ولا أداة لإشعال الحروب.
ولعل أبرز الأمثلة المعاصرة على محاربة المفهوم الإنساني العابر للخرائط المصطنعة، هو ما تعرّض له شيخنا الجليل مصطفى الأنصاري، الذي نالته هجمة شرسة غير مسبوقة، لا لذنب ارتكبه، سوى تمسكه برؤية أخلاقية وإنسانية تتجاوز القيود الجغرافية التي فُرضت علينا منذ اتفاقية سايكس–بيكو. لقد وقف الرجل موقفًا مبدئيًا شجاعًا، رافضًا القبول بخطوط الحدود التي مزّقت أوطاننا وشتّتت شعوبنا، مؤمنًا بأن الكرامة والعدالة لا تُقسّم على أسس استعمارية.
إن تفكير الشيخ الأنصاري متقدّم بمراحل عن زمنه، ولعل هذا ما لم يستطع ناقدوه استيعابه. فهؤلاء – على اختلاف مواقعهم – قد ابتلعوا خرائط سايكس–بيكو وهضموها، واعتبروها أمرًا واقعًا لا يُناقش، بل إن فيهم من هو مستعد اليوم لتبنّي “خرائط نتنياهو” الجديدة لتقسيم أوطانهم، تمامًا كما فعل أسلافهم في مطلع القرن الماضي. هؤلاء يدورون مع بوصلة المصالح الأميركية حيث دارت، ويتغذّون على الأفكار الوافدة، ويحاولون تمريرها تحت شعارات جوفاء. وإن لم يكونوا متواطئين، فإن الجهل يُكمل بقية المشهد.
لكن أن يصل الأمر ببعضهم إلى استخدام الألفاظ النابية والعنصرية في مهاجمة الشيخ الجليل، فذلك ليس إلا انعكاسًا مؤلمًا لمستوى الانحطاط الذي بلغته بعض المنصات الإعلامية، التي فقدت حيادها، وأصبحت بوقًا للتبعية والانحياز الأيديولوجي، لا منصة حوار أو مساحة للرأي الحر.
إن الحديث عن الوطنية ينبغي أن يكون حديثًا عن الحرية، والعدالة، والكرامة. فالوطن ليس ما يُرسم على الورق، بل ما يُبنى بإرادة الناس، ويحتضن أبناءه دون إقصاء أو تمييز. أما الوطنية التي تُستخدم لتبرير واقع مفروض، أو لتمزيق نسيج مجتمعي، فهي ليست إلا استنساخًا لمشاريع استعمارية بثوب حديث.
لا تحدثني عن الوطنية، إن كنت تروّج لوطن لم نختره، وتُجند الناس للقتال دفاعًا عن واقع لم يصنعوه. دعنا نُعيد تعريف الوطن كما أراده الأحرار، لا كما رسمه الطامعون.


