يمرّ العراق هذه الأيام بموجة حرّ صيفية لاهبة لا تقلّ قسوة عن حرارة السباق السياسي المحتدم وتحديدًا مع اقتراب الانتخابات وصراع القوى والنفوذ. وبينما يترقب الناس مصير التحالفات وتغيّر موازين القوى تتصاعد سحب الدخان من حرائق يومية تلتهم المشاريع الأسواق والمخازن والمزارع والمؤسسات الرسمية والتعليمية في مشهد غير مسبوق من الاتساع والتكرار.
التصريحات الاعلامية لا تخرج عن الإطار المألوف: “تماس كهربائي” “إهمال بشري” “حرارة مفرطة”. ورغم التكرار تغيب الإجراءات الجذرية والمعالجات الوقائية. المواطن البسيط بات يشكّ أن ما يجري يتجاوز حدود الصدفة أو الإهمال ويقترب من دائرة الفعل المتعمَّد أو حتى التواطؤ الخفي.
في بلد تتوسع فيه المدن بشكل فوضوي وتنهار فيه منظومة البنية التحتية وتغيب فيه أنظمة السلامة تصبح الحرائق كارثة محتومة. لا خطط لإدارة المخاطر ولا أجهزة إنذار فعالة ولا فرق إطفاء مجهزة بما يواكب حجم التحدي. كل ذلك يجعل من أي شرارة – عرضية أو متعمدة – مقدمة لفاجعة.
في ظل هذه الفوضى النارية تبرز أسئلة مشروعة:
- هل نحن أمام نمط جديد من الاستهداف الاقتصادي والسياسي عبر بوابة الحريق بدل المسيرات؟
- من المستفيد من حرق مشاريع ناشئة وأسواق ومخازن ومزارع في توقيتات سياسية حرجة؟
- هل تحوّلت النار إلى سلاح بيد أطراف خفية لتصفية الحسابات أو لضرب خصوم انتخابيين؟
- ولماذا تعجز الأجهزة المعنية عن كشف الحقيقة ومحاسبة المتسببين؟
قد تكون بعض الحرائق عرضية لكن التكرار بلا معالجة يعكس إما إهمالًا قاتلًا أو تهاونًا متعمّدًا. وفي الحالتين تغيب المؤسسات الحقيقية عن دورها في الحماية والردع والمساءلة.
لقد تحوّل سؤال “إهمال أم تعمّد؟” إلى معضلة وطنية. فالأمن لا يُبنى على الغموض والسيادة لا تُقاس فقط بحماية الحدود بل تبدأ من حفظ حياة الناس وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.
لذا على الأجهزة الأمنية أن تتعامل مع هذه الحرائق كملف أمني خطير لا كحوادث متفرقة.
ويتطلّب ذلك:
١. إجراء تحقيقات جادّة وشفافة لا تكتفي ببيانات الدفاع المدني بل تستعين بخبراء مستقلين وأجهزة استخباراتية لكشف الأسباب الحقيقية.
٢. تحليل نمط الأماكن المستهدفة: هل هي مشاريع ناشئة؟ أسواق محددة؟ دوائر رسمية معينة؟ ولماذا؟
٣. فهم دوافع الاستهداف: هل تقف وراءها جهات اقتصادية متنافسة؟ جهات سياسية تسعى لزعزعة الاستقرار؟ أم مجموعات خارجة عن القانون تعبث بلا رادع؟
٤. تحديد المستفيد من استمرار هذه الحرائق سواء كان فردًا أو جهة أو تيارًا سياسيًا ولماذا تتكرر في هذا التوقيت بالذات؟
إن مواجهة هذا “الإرهاب الصامت” لا تتطلب فقط إطفاء النيران بل إطفاء الأسباب الكامنة وراءها. فبقاء الأجهزة الأمنية في موقع المتفرج أو المبرّر يفتح الباب على مصراعيه للفوضى ويقوّض ما تبقّى من ثقة المواطن بمؤسساتها.
العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى جهد رجال الإطفاء بل إلى قرار سياسي شجاع يعالج الجذور… قبل أن تتحوّل النار إلى لغة الصراع القادمة.
فهل نحن أمام إرهاب من نوع جديد؟
إرهاب النار والشرار… الذي يحرق بلا صوت ويهدّد ما تبقى من ثقة الناس بوطنهم ودولتهم؟
هل نحن أمام طريقة جديدة لاستفزاز المواطن وتحريضه على الفوضى؟


