تشييع جثمان السيد الخامنئي في العراق
ليس كل من يرحل تشيّعه الملايين.
كما أن كل نعش لا يتحول إلى حدث يستوطن ذاكرة الأمم.
فهناك رجال يبدو برحيلهم أن جزءاً من تاريخ عصر كامل قد انطوى.
وهناك شخصيات لا تقاس بأعمارها.
بل تقاس بما تركته في العقول والقلوب ومسار الأحداث.
لذلك، لا يمكن اختزال تشييع جثمان السيد الخامنئي في العراق في جنازة سياسية عادية.
أكثر من جنازة مسؤول سياسي
من ينظر إلى تشييع السيد الشهيد علي الخامنئي كجنازة رئيس دولة لم يدرك حقيقة الرجل.
كما أنه لم يفهم مكانته في وجدان ملايين المؤمنين.
فقد رأوه قائداً ومرجعاً ومجاهداً ومفكراً ودليلاً.
ولا تنحصر هذه المكانة في موقع سياسي أو وظيفي.
بل ترتبط بمسيرة دينية وعلمية وجهادية طويلة.
القراءة المبتورة لشخصية السيد الخامنئي
اعتاد خصوم الجمهورية الإسلامية حصر السيد الخامنئي في عنوانه الوظيفي.
ويصفونه بأنه المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.
وقد يفعلون ذلك عن عمد أو جهل.
لكن هذه القراءة تبقى مبتورة.
فهي لا تربط موقعه بإرثه الجهادي والعلمي.
كما تتجاهل البصيرة والحكمة اللتين صنعتا مكانته الدينية والروحية.
وقد استحوذت هذه المكانة على قلوب ملايين الناس في مشارق الأرض ومغاربها.
الارتباط العقائدي والفقهي
ارتبط ملايين المؤمنين بالسيد الخامنئي عقائدياً وفقهياً.
وبدأ هذا الارتباط منذ توليه القيادة بعد رحيل الإمام الخميني رضوان الله عليه.
فالسيد الشهيد علي الخامنئي لم يكن قائداً سياسياً فقط.
بل كان مرجعاً دينياً مجتهداً بلغ مرتبة الاجتهاد.
وهذه المرتبة ثمرة عمر طويل من البحث والتدريس والتأليف.
كما جاءت بعد التتلمذ على أيدي كبار العلماء.
المرجعية في الفقه الجعفري
تكمن هنا حقيقة يجهلها أو يتجاهلها كثيرون.
فالمؤمن في الفقه الجعفري لا يعيش بلا مرجع ديني.
بل يرجع إليه لمعرفة أحكام دينه.
ويستند هذا المفهوم إلى قول الله تعالى في سورة التوبة، الآية 122:
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
معنى التقليد
جاء مفهوم التقليد من هذا الأصل.
والتقليد ليس تبعية عمياء، كما يصفه بعضهم.
بل هو رجوع الجاهل إلى العالم.
كما أنه رجوع غير المتخصص إلى الأعلم والمتخصص.
ولذلك، فهو مبدأ عقلي قبل أن يكون مبدأ شرعياً.
مقلدو السيد الخامنئي
للسيد الخامنئي مقلدون في إيران والعراق ولبنان.
كما يوجد مقلدون له في البحرين واليمن والكويت والسعودية.
ويمتد هذا التقليد إلى باكستان والهند وأفغانستان.
ولا يتعارض ذلك مع وجود المرجع الأعلى لعموم الشيعة.
وهو السيد علي الحسيني السيستاني.
مكانة السيد السيستاني
يقلد السيد السيستاني عشرات الملايين من الشيعة في أنحاء العالم.
ويشمل ذلك الشيعة المقيمين في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا وأفريقيا.
كما يقلده عشرات الملايين داخل إيران نفسها.
ولا يرى أتباع أي من المرجعين تناقضاً في ذلك.
المرجعية مدرسة علمية وفقهية
المرجعية عند شيعة أهل البيت عليهم السلام ليست مؤسسة سياسية.
بل هي مدرسة علمية وفقهية عريقة.
وتمتد جذورها إلى أكثر من ألف ومائتي عام.
كما تقوم على الاجتهاد والاستنباط، لا على الوراثة.
ومن هنا، لا يمكن فهم المرجعية بمعايير التنظيمات السياسية الحديثة.
اتهام المقلدين بالتبعية
يثير الاستغراب أن يصف بعض الجاهلين بهذا النظام المقلدين بأنهم ذيول.
كما يصفونهم بأنهم أتباع بلا وعي.
ولو طبقنا هذا المنطق على بقية الأديان والمذاهب، لظهرت نتائجه المتناقضة.
فسنضطر إلى وصف مئات الملايين من المسيحيين الكاثوليك بأنهم أذناب لبابا الفاتيكان.
القياس على الكنائس والمذاهب الأخرى
سنضطر أيضاً إلى وصف أتباع الكنائس الأرثوذكسية بأنهم ذيول لبطريرك موسكو.
وقد يشمل الوصف غيره من بطاركة الكنائس الشرقية.
كما سنصف المسلمين من إخواننا السنة بأنهم فاقدو الإرادة.
وهم الذين يرجعون إلى هيئة كبار العلماء في السعودية أو الأزهر.
كما لا يصوم بعضهم شهر رمضان إلا بعد إعلان تلك الجهات.
وهذا كلام لا يقبله عقل.
كما لا يقره دين ولا يحترمه منطق.
زهد مراجع الشيعة
لا بد من التذكير بحقيقة تاريخية.
فقد اشتهر مراجع الشيعة بالزهد وبساطة العيش.
كما ابتعدوا عن مظاهر الترف.
وجاء ذلك اقتداء بسيرة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
فقد طلّق الدنيا بكل مغرياتها.
وكان يرى أن قيمة المؤمن لا تقاس بما يملك.
بل تقاس بما يقدمه للناس من عدل ورحمة وإنصاف.
وداع فقيه وقائد
لا يمثل تشييع السيد الخامنئي وداعاً لرجل دولة فقط.
وهو رجل انتصر على أكبر طاغوت في الأرض.
بل هو وداع فقيه وقائد.
ويرى محبوه أنه حمل هم الأمة.
كما دافع عن استقلالها وكرامتها.
وواجه الضغوط الصهيوأمريكية والحروب والعقوبات والتهديدات.
وظل ثابتاً أمام الطواغيت والظالمين حتى آخر يوم من حياته.
الاختلاف لا يبرر إنكار الحقائق
قد يختلف الناس مع أفكار السيد الخامنئي.
كما قد يعارضون سياساته.
وهذا حق مشروع لا ينازع فيه أحد.
لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى حقد أعمى.
كما لا ينبغي أن يقود إلى إنكار الحقائق.
كيف تقاس الجنازات الكبرى؟
لا تقاس الجنازات الكبرى بعدد المشيعين فقط.
بل تقاس بالفراغ الذي يتركه الراحل في النفوس.
كما تقاس بأثره في التاريخ.
وتقاس أيضاً بالحضور الذي يبقى حياً بعد غياب الجسد تحت التراب.
كلمة لمن يبحث عن الحقيقة
هذه كلمة حق إلى من يبحث عن الحقيقة.
وهي موجهة لمن يبتعد عن ضجيج الدعاية.
كما يخاطب النص من يرفض ضيق التعصب.
ويرفض أيضاً أحكام الكراهية الجاهزة.
شرف تشييع السيد الخامنئي في العراق
إن تشييع السيد الشهيد علي الخامنئي في العراق شرف كبير.
وقد أنعم الله بهذا الشرف على شعب العراق وعلمائه وحكومته.
كما يمثل وسام فخر لحمل الجسد الطاهر فوق الأكتاف.
فهو جسد قائد أبيّ، رضوان الله عليه.
الرجال الكبار وحملات التشويه
لا يستطيع الخصوم اختصار الرجال الكبار.
كما لا تستطيع حملات التشويه كتابة سيرتهم.
بل تكتب السنون سيرهم.
وتحفظها ذاكرة الأمم.
وهي الأمم التي ترفع شعار الإمام الحسين عليه السلام:
«هيهات منّا الذلة»
شهادة التاريخ
يشهد التاريخ المنصف على الرجال الكبار.
ويبقى التاريخ، مهما طال الزمن، أكثر عدلاً من أهواء البشر.
ولهذا، لا تنتهي سيرة القائد بانتهاء حياته.
بل تبقى في ذاكرة الشعوب ومواقفها.
السلام على السيد الشهيد الخامنئي
السلام على السيد الشهيد الخامنئي يوم ولد.والسلام عليه يوم عاش مجاهداً ثائراً في وجه الظلم.والسلام عليه يوم استشهد كريماً عزيزاً أبياً.والسلام عليه يوم يبعث حياً.
ويبعث شاهداً وشهيداً في رحاب عزيز بصير حكيم.


