للحروب كُلف باهظة، لا تقتصر على أطرافها المباشرين فحسب، بل تمتد آثارها إلى أطراف إقليمية ودولية عديدة، فتطالها تداعيات جسيمة قد تكون مدمرة، ولا تقتصر هذه الخسائر على الجوانب المادية والمالية ـ رغم كونها الأبرز والأكثر وضوحاً ـ بل تشمل أيضًا أبعادًا اجتماعية، ونفسية، وإنسانية، يصعب حصرها أو قياس مآلاتها بدقة.
حرب الاثني عشر يوما
ويأتي هذا الحديث كقراءة بسيطة في سياق احداث حرب الاثني عشر يوما التي شنها الكيان الاسرائيلي على ايران، مستهدفاً منشآت ومرافق حيوية داخل الأراضي الإيرانية، بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة ، تجلّت بقيام قاذفات الشبح الأمريكية (B-2) بشن ضربات عنيفة على المنشآت النووية في ايران.
ولست هنا بصدد استعراض تفاصيل المواقف أو السيناريوهات السياسية لتلك الحرب، إنما الغاية تسليط الضوء على كلفتها الباهظة ونتائجها الكارثية، ليس فقط على طرفي النزاع، بل على المنطقة والعالم بأسره.
كلفة العملية الأمريكية
فإذا ما أخذنا مثالًا على كلفة العملية الأمريكية وحدها، والتي شاركت فيها سبع قاذفات استراتيجية، حلّقت لمسافة تجاوزت 8,000 كيلومتر، يرافقها أكثر من 120 طائرة من مختلف الأنواع، واستُخدم خلالها 75 صنفًا من الأسلحة، فضلًا عن الدعم اللوجستي، والتقنيات الإلكترونية والسبرانية، فإن التقديرات الأولية تشير إلى أن كلفة هذه العملية ربما تجاوزت عشرة مليارات دولار، ليأتي السؤال: مَن سيتحمل هذه الفاتورة الضخمة؟ خصوصًا في ظل عقلية ترامب المادية التي تحكم السياسة الأمريكية، وتُقوِّم كل شيء بلغة الأرقام والمصالح؟!!
الخاسر الاكبر
وعلى الجانب الآخر، فإن الكيان الاسرائيلي كان الخاسر الاكبر، فقد واجه صدمة أمنية وعسكرية غير مسبوقة، تمثلت في حجم الدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتية في تل أبيب ومناطق أخرى، وتعطل المرافق الحيوية مثل ميناء حيفا، وتوقف حركة الملاحة الجوية، فضلًا عن مشاهد الهجرة الجماعية، وفشل أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المُسيّرة، التي أرهقت السماء الإسرائيلية ليلاً ونهاراً.
أما من حيث كلفة الردع، فقد كان لافتًا حجم الإنفاق على اعتراض المسيرات الايرانية منخفضة الكلفة، مقارنة بتكلفة صواريخ الاعتراض الاسرائيلية الباهظة، التي لم تحقق في الغالب نتائج حاسمة، مما أثار تساؤلات جوهرية حول نجاعة تلك المنظومات، وما قيل عنها من كلام يفوق الخيال، (عن القبة الحديدية اتحدث).
وفي المقابل، ان ماتعرضت له ايران لم يكن بسيطا، فقد خسرت عددًا من منشآتها النووية، وفقدت كوكبة من قياداتها، وتعرضت بنيتها التحتية لأضرار بالغة، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي لحقت باقتصادها الوطني، ومع ذلك، فإن التساؤل المشروع يبقى قائما : ماذا كان يُنتظر من ايران ان تفعل وهي تتعرض لعدوان صهيوني سافر واسع النطاق؟، بالتأكيد ليس امامها سوى الصمود وخوض الحرب، ومعروف ما آلت اليه النتائج من تفوق ايراني برغم الخسائر.
وعلى مستوى الإقليم، فقد ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على دول المنطقة، حيث تعرّضت القطاعات الاقتصادية إلى شلل جزئي أو كلي، وتوقفت حركة الطيران في عدة دول، مما تسبّب في خسائر تُقدَّر بمليارات الدولارات، وسط تصاعد منسوب القلق، وتقلبات سياسية وأمنية غير مسبوقة.
ولو قُدّر للحرب ان تتوسع وتتطور إلى خطوات مثل إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، أو تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر من قبل اليمن، لكان العالم امام شلل اقتصادي واسع النطاق، وانهيار في منظومات التوريد، وارتفاع حاد في نسب الفقر، وتداعيات إنسانية يصعب احتواؤها.
كل ذلك يُظهر أن الحروب، حتى وإن انحصرت جغرافيًا، لا تلبث أن تتحول إلى أزمات دولية شاملة، وما دامت أدوات الحرب بيد قادة متشددين مثل (نتن ياهو)، فإن العالم يبقى مهددًا بأن يُدفع نحو المجهول، وسط غياب صوت العقل والمنطق، في زمن يُهيمن فيه “سماسرة الحروب” على مراكز القرار.


