عن رواية قيامة الحشاشين

عن رواية قيامة الحشاشين
دائما أقول بأن النصوص الروائية العظيمة، تبقى تعطي عطائها، وتسرّبه كالنبع الصاف الذي يسقي انسانا عطشا، فلا العصفور ينسى غديره، ولا ذلك الانسان الذي، بلّ ريقه منه، ولا متون الروايات سوف تنسى. ...

دائما أقول بأن النصوص الروائية العظيمة، تبقى تعطي عطائها، وتسرّبه كالنبع الصاف الذي يسقي انسانا عطشا، فلا العصفور ينسى غديره، ولا ذلك الانسان الذي، بلّ ريقه منه، ولا متون الروايات سوف تنسى. ولن تنسى، على العكس من ان بعض الروايات التي قرأتها لبعضهم، سوف يصاب مثلي بنفور حتى من اصاحبها، مثل السابق، ولم يستطع أن يقنعنا بلفته، أو نأمة- يال سخرية الاقدار؛ سوف نجده – أيضا- لم يستحقها، وقد ذبل معه التركيز والجهد والوقت.

لكم وكم تعجبني تلك الروايات التي تذهب بفتوحات جدية، وجديدة.. مثل نبش قبر” حسن الصباح”، في مغامرة روائية تسلط الكشف على حقبة زمنية غابرة، وتدخل الى مرويات التاريخ، بورقة مخطوطة أو طرس كمادة صلبة يحتاجها التاريخي في كتابة تأريخه، في اثباته بانها ليست مغامرة؛ ان يدخل الى قبر ويبدل العلامة بعلامة أخرى قد غيرتها النيّات، كالحقيقة الغائبة، محورها محتوى قبر فيه رقائق “حسن الصباح ” ومزاميره. الغامض مؤسس فرقة “الحشاشين” زعيم الفرقة الباطنية التي لها باب يشير نحو التطرف الفكري والمذهبي في التاريخ العربي الإسلامي، حتى أيام نهايتها على يد هولاكو سنة 1250م. دخول ليس للعبث، فالدخول الى القبور لها إشكالية استعادة الحقيقة، وتلك لا تأتي إلا بالمغامرة، وقوة التخييّل، النظر الثاقب، العودة الصريحة الى ذلك التاريخ، التقمّص  الى حدّ الذوبان في ماهية تلك الشخصية واستخراجها من التراب، والمسح الشامل عن تلك الحقبة، وملابساتها مع اشكاليات أصل الفكرة، وكإنها فكرة يتنازع عليها اليوم عالم التاريخ، فعالم التاريخ هو- الروائي الذي يقرأ صفاً طويلا من اجل أن يخرق الحيطان المتراصة، وحتى يقول لنا عن مشروعية وصدق وصوله الى عمق حقائق ذلك القبر المظلم. ان يجعلنا نشمّ معه تلك الرائحة العطن لذلك التراب الذي لم ينبشه أحد من قبله، أو يعيد نبشه بطريقته الخاصة.. ليكشف عن محتوى عميق، وغويط، ويدلنا – حسب نص الرواية – عن سبعة مزامير وخنجر – ذلك الخنجر المسموم الذي رسمته مدونات أخرى، بانه خنجر الاغتيالات السرية التي حدثت، ومازالت تحدث باسم الرب والامام – خنجر ذكي بقيّ مسموما ليخرق كل المخالفين- حسب عقيدته- ونشرها، ويدعوهم للحج إلى إفريقيا التي يعتبرها أرض الميعاد.. مستمر في التخييّل، مستمرا في صنع مادة صلبة من التاريخ المتخيل، المُصطنع تخييلا، بإزاحة الوهم عن الوهم، واحقاق الوهم بديلاً عن الوهم.. كما يقول هوبكنز: “كذب ثم كذب حتى تجد كذبك حقيقة”، وتذهب الفكرة من الفكرة الى “اليمن” بحثا عن “الاسماعلية” واسرارها.. رحلة اغتيالات في مسح أثر تلو أثر، وكأنها تعيد كتابة التاريخ عبر قيامة حشاشين جدد لا يردون من الروائي ان يعيد النظر في تلك المشاوير، حقا انها رواية مثيرة، تقوم من الحلم بفكرة “قيامة الحشاشين” للكاتب التونسي الهادي التيمومي الذي هو الاخر لن انساه. معذرة فهذه كتابة منفعلة برغم المحبة.

الرواية رحلة حلم الى إعادة كتابة التاريخ بوجهة نظر أكثر جدية، تحتاج الى قراءة أعمق من النقد، رواية كبيرة بقيمتها الفنية، وبرسالتها الذهنية، فيها وقفة حقيقية من التاريخ الذي خفيت أوراقه، وباتت بحاجة الى التعقب من أجل ان تدرس جيداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *