كيف سيكتبُ الهذليّ قصيدته اليوم؟

كيف سيكتبُ الهذليّ قصيدته اليوم؟
  أليس من الممكن أنْ يروي أبو سعيد السّكريّ، أو المستشرق الالمانيّ (يوسف هل) هذا الخبر، وهما يجمعان لنا في يوم قادم ديوان الهُذليّين!! ربما، سأقول نعم! فمن الممكن أنْ يكتبَ الهُذليّ هذا البيت اليوم، فما عادت صورة الأظفار النّاشبة، المستعارة من الوحش، ولوازمه لتخيفنا اليوم، فلا وحوشَ ترعبنا في بعض الطريق! أمّا الاستعارة المعاصرة، فسنأخذها من تجنيد الجيوش، وإرسالهم للقتال،...

وإذا الجوائحُ جَنّدتْ فيروسَها                  ألفيتَ كلّ كِمامةٍ لا تنفعُ

(وهذا بيتٌ مشهور لأبي ذؤيب الهُذليّ، من قصيدة جميلةٍ، ليستْ من المعلّقات! قالها يرثي بها خمسةَ بنينٍ له، أصابهم وباءُ كورونا الخبيث (2019ـ …) فهلكوا في عام واحد!! )

أليس من الممكن أنْ يروي أبو سعيد السّكريّ، أو المستشرق الالمانيّ (يوسف هل) هذا الخبر، وهما يجمعان لنا في يوم قادم ديوان الهُذليّين!! ربما، سأقول نعم! فمن الممكن أنْ يكتبَ الهُذليّ هذا البيت اليوم، فما عادت صورة الأظفار النّاشبة، المستعارة من الوحش، ولوازمه لتخيفنا اليوم، فلا وحوشَ ترعبنا في بعض الطريق! أمّا الاستعارة المعاصرة، فسنأخذها من تجنيد الجيوش، وإرسالهم للقتال، وما زالت الحربُ الباردة، والنّاعمة، والسّاخنة، قائمةً في بعض مناطق العالم!! وسيكون لمفردة (الفيروس) المعرّبة الوقع الخطر علينا، وهي تعني الموت الأكيد لمن يصاب به!!

وحتمًا لن يستعملَ الهُذليّ كلمة (تميمة) فما عدنا نتّقي الموت بالتّمائم أو الرّقى، بل صرنا نتّقي الفيروس بالكِمامات، ولا يستطيعُ الهُذليّ في وقتهِ الحقيقيّ أن يستعمل كلمة الكِمامة؛ لأنّ معناها وقت ذاك هو اللثام الذي يوضع على أنف الدّابة وفمها، خوف الذّباب والحشرات، لكنّ التّطور الدّلاليّ للكلمة جعلها توضع على أنف الإنسان وفمه، خوف الفيروسات!! أما لو كان الهذليّ يؤمنُ بنظرية المؤامرة!! فسيكتبُ البيت هكذا:

وإذا المخابرُ أطلقتْ فيروسَها                  ألفيتَ كلّ كِمامةٍ لا تنفعُ

مستعيرًا صورة إطلاق الصّواريخِ، أو إطلاقِ النّار، أو إطلاق المدافع، وكلّها من صور الحرب الشّرسة، المعاصرة، وهل تستطيع الكِمامةُ أن تحمينا من شظاياها!! وربما سيتأثر الهُذليّ بحركةِ الشّعر الحرّ، أو قصيدة التفعيلةِ، أو الشّعر الحديث، بحسب ما يؤمن به النّقاد من مصطلحات! وسيوظّفُ قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، فيكتب البيت هكذا:

فيروسُ ووهانَ الخبيثْ

القاتلُ المجهولُ من أقصى الحدودْ

مازالَ يغتالُ البنينْ

مُتجدّدًا، مُتخفّيًا

في حمضهِ النّوويّ أرواحُ النّسورْ

كالطّائر السّجّيلِ يفتكُ بالصّغارِ وبالكبارْ.

ومن الواضحِ أنّ الهُذليّ مازال يوظفُ مرجعياته الثّقافية اليوم، وربما سيكتبُ النّقاد أنّهُ من روّاد التّناص في حركة الشّعر العربيّ الحديث!! ولكنْ، هل سيكتبُ الهُذليّ هذه القصيدة، أو هذا البيت نثرًا على شكل كلماتٍ متفرقة على الأسطر، أو على شكل كتلةٍ نصّية، أو ومضةٍ، أو على شكلِ هايكو ياباني!!!

أمّا أنا فسأقولُ: لا! وسيقولُ بعضُ الآخرين من الشّعراء، أو النّقاد: نعم!! سيقولُ أحدهم إنّ شكل الحياة في وقت سيادة شعر الشّطرين، هو شكلٌ قاسٍ، صلب، نتيجة العيش في الصّحراء، لذلك سيأخذ الشّعر شكل هذه القسوة والصّلابة، في شكلٍ مقنّنٍ، متناظرٍ، صلبٍ، يشبه شكل الخيمة! وسيكتب الهُذليّ هذه المرثية على شكل قصيدة نثر، مستجيبًا لنمط الحياة المعاصرة التي ارتفعت فيها نسبةُ الكتابية إلى الشّفاهية ارتفاعًا شاهقًا!!

ولكنْ، هل تخلّصنا في حياتنا المعاصرة من القسوة والصّلابة!! ألم تجلب التّقنية الحديثة لنا مزيدًا من الضّوضاء، والتّلوّث، ونقصان الأوكسجين، وتوسّع ثقب الأوزون، والاختلال المناخيّ! وبعد أن كانت الحرب في دائرة ضيّقة، بين قبيلتين مثلًا، صارت الحرب تصيبنا بقنابلها وإشعاعاتها على بعد آلاف الأميال!! ومن قال إنّ الكتابية تفرض علينا محتوى (قصيدة النّثر) وليس الشّعر!! نعم، كان الشّعر يتداول شفاهيّا، وليس كتابيًا، والغنائية تسهّل تداوله شفاهيًا، ونحن اليوم نتداول الشّعر كتابيًا وليس شفاهيا! لمن تدرّب على قراءة الشّعر، ودفع إلى مضايقه، وليستْ قراءة الشّعر بالأمر اليسير! وليس شرطًا أنْ يكون الدّفع إلى مضائق الشّعر، أن يكون القارئ شاعرًا!

وسيقول آخرون إنّ القصيدة الموزونة لا تستطيعُ الاستجابة للغة اليوم، فقد تغيرت المصطلحات، والدّلالة، ودخلت كلمات جديدة إلى اللغة، وصرنا نستعمل بعض الكلمات الشّعبية، وما عدنا نستعمل الكلمات التي تحتاج إلى القاموس لفهمها! فكيف لأوزان مضى على اختراعها أكثر من ألفٍ وخمسمائة عام أن تستجيب لحياة اليوم!!!

والحق إنّ هذا هو ما حصل، ولكنْ، هل الأوزان منفصلة عن اللغة، أم هي اللغة نفسها مرتبة على شكل إيقاعيّ، موسيقيّ جميل!! أولم تستطع اللغة بحروفها نفسها التي اخترعت قبل اختراع الأوزان، أن تستجيب لهذه التغيرات المصطلحية والدلالية!! أولم يكتب الشاعر الإنكليزي ت. س. اليوت قصيدة (الأرض اليباب) التي تمثل الحداثة في الشّعر الأوربيّ الحديث، بوزن إنكليزيّ قديم، وربما أقدم من موازين الشّعر العربيّ! فليست الأوزان مثل آلة ميكانيكية أو رقمية، يصيبها الصدأ، والاحتكاك، وفقدان المغنطة لبعض أجزائها، فتتوقف عن الحركة!

وسيقولُ بعضُهم إنّ الغنائيّة في الشّعر اليوم تعدّ ميزة رثّة!! لأنّها تعطي بعض الأهمية للشّعر من خصائها الفنية فقط، وليس من محتواه نفسه، أمّا (قصيدة النّثر) فستأخذ الأهمية من محتواها اللغويّ والايقاعيّ نفسه، وليس عن طريق خارجي (الوزن)!

وأشهد الله، إنّهم يقولون حقًا! لكنّهم يستندون إلى رأي نقديّ خاطئ (الشّعر هو القول الموزون المقفّى)!! فلا يحيا الشّعر بالوزن والقافية، لذلك سُمّيَ من قبل النّقاد القدامى بالنّظم، أو الشّعر البارد، أو الشّعر الخالي من الماء، أو شعر العلماء!! ولو عاشوا اليوم لسمَّوه بشعر النّقاد، أو شعر الفقهاء!!

أمّا الشّعر الحقيقيّ فهو الشّعر الذي يحمل الدّهشة، وكسر أفق التّوقع، وشخصية الشّاعر، ومدى تمثّله لمشكلاتِ عصره، وصلته بتراثه!! بتوزيعٍ موسيقيّ للعاطفة والأفكار والخيال، إلخ..

أمّا أنا فقد لاحظتُ من خلال تتبّعي، أنّ الشّعراء أو النّقاد الذين يدّعون أنّ الوزنَ غيرُ قادر على مجاراة الحياة!! هم من الشّعراء الذين جرّبوا كتابة الشّعر بالوزن، فأخفقوا بإقامة الشّعر، وقد علموا ذلك بحسّهم النّقديّ، فلم يعترفوا على أنفسهم! ووجهوا التّهمة إلى الوزن!! وبعض النّقاد الآخرين لا يحسنونَ إقامة العروض أصلًا، وليس العروضُ مجرّد تقطيع شعريّ، بل هو أعمق من ذلك، لمن دُفع إلى مضايق الشّعر!

أتراني كنتُ مخطئا في ملاحظتي!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *