من خلال المتابعة اليومية والنقاشات المطولة التي جمعتني (بعد غربة لأكثر من عقد ونيف) بعدد من الأصدقاء من النخب الأكاديمية والثقافية، بل وحتى مع جمهور واسع من الشباب، تبين لي بوضوح أن ثمة تحول عميق في علاقة المجتمع العراقي بالمعرفة، تحول لم يعد يمر عبر الكتاب أو الجامعة أو الحوار، بل عبر الشاشة والخوارزمية والمنصة الرقمية. ما كان يبدو في الماضي هامشي أصبح اليوم هو المركز، الخوارزميات تنتج المحتوى، والذكاء الاصطناعي يقترح الإجابة، والشباب يعتمد اعتماد شبه كلي على ما يقدم له رقميا، بلا مساءلة ولا مقاومة، بل باستسلام هادئ يخفي في طياته تفكك معرفي مقلق.
من هذا التفاعل مع واقع معرفي جديد، حيث تراجعت سلطة النخبة وتقدم العقل الخوارزمي ليحتل المشهد، تولدت لدي أسئلة أكثر من يقين، وقلق أكثر من طمأنينة، وإحساس متزايد بأن المعرفة كما عرفناها ، تأملية، تفاعلية، مشروطة بالسؤال والشك ، بدأت تغترب عن المجتمع العراقي وتختزل في معلومات جاهزة تنتجها آلات لا تسأل ولا تشك. من وحي هذا الواقع، كتبت هذا المقال، محاولة لفهم اللحظة المعرفية الراهنة في العراق، هل نحن أمام فشل مجتمع لم يعد يؤمن بالمعرفة النقدية؟ أم أمام نخب تخلت عن دورها؟ أم أمام تحول خوارزمي يفرض شروطه الجديدة بصمت لا يقاوم؟
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل البنية المعرفية للعالم، ومعها تبرز الحاجة إلى إعادة طرح سؤال العلاقة بين المعرفة والمجتمع في سياق غير مسبوق، عصر الآلة الذكية.
فالمعرفة التي كانت في السابق نتاج لتفاعل الإنسان مع محيطه الاجتماعي والثقافي أصبحت اليوم موجهة إلى حد كبير بخوارزميات تتعلم، تحلل، وتقترح، بل وتفكر نيابة عنا. وفي الحالة العراقية، حيث المجتمع يعيش تراكمات من الأزمات السياسية، والاختناق الثقافي، والفقر المعرفي المؤسسي، تبدو العلاقة بين المجتمع والمعرفة في عصر الآلة الذكية أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للاختطاف من أي وقت مضى.
لم تعد المعرفة في زمن الذكاء الاصطناعي حكر على المفكر، أو المثقف، أو حتى المؤسسة الأكاديمية. أصبحت الآلة تنتج أنماط من (المعرفة الجاهزة) عبر محركات البحث، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التوصية التي تحدد ما نقرأ، وما نعرف، وما نهتم به. وفي العراق، حيث يعاني النظام التعليمي من التراجع، وتكاد تنعدم مراكز البحث المستقلة، وتقصى النخب الفكرية عن الفضاء العام، فإن هذا التحول يهدد بإلغاء البنية الإنسانية التقليدية لإنتاج المعرفة، ليحل محلها ما يمكن تسميته بـ(الوعي المؤتمت)، أي وعي يولد من رحم الخوارزمية، لا من رحم التجربة أو التأمل.
لقد فشلت المنظومة التربوية العراقية في مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في حقل المعرفة، فبينما تتقدم دول العالم نحو دمج الذكاء الاصطناعي في بناء أنظمة معرفية جديدة، ما تزال مؤسسات التعليم في العراق أسيرة المناهج الجامدة، والإلقاء التلقيني، والامتحانات الورقية، وعقليات ترى في التفكير النقدي تهديد لا فضيلة. في ظل هذا التراجع، تسللت التكنولوجيا إلى الفضاء الاجتماعي العراقي من دون أي قدرة نقدية على فهمها أو احتوائها، وأصبح الناس يتعاملون مع المحتوى الذي تنتجه الخوارزميات بوصفه مرجع، في غياب بنى معرفية تمكن الفرد من التمييز بين المعلومة والمعرفة، وبين الدعاية والتحليل، وبين الحقائق والتأويلات.
المجتمع العراقي الذي لم ينجز مشروعه التنويري بعد، يجد نفسه فجأة أمام واقع معرفي تصوغه آلات لا روح لها. فكيف لمجتمع لم يرسخ بعد فكرة العقلانية ولا ثقافة السؤال أن يواجه آلة تقدم له كل الإجابات دفعة واحدة؟ وكيف لجامعات ما زالت تحتكم إلى معايير تقليدية في التقييم أن تخرج أجيال قادرة على نقد إنتاج الخوارزميات، أو على التفاعل معها بوصفها أدوات، لا مصادر للحقيقة؟
في هذا السياق، تتراجع مكانة المثقف العراقي، لا بفعل القمع السياسي وحده، بل أيضا بسبب التحول البنيوي الذي جعل من الخوارزمية منافساً جديداً للمفكر. فالجمهور اليوم يتوجه إلى منصات التواصل الاجتماعي وروبوتات المحادثة بحثا عن معنى أو معلومة أو تحليل، لا إلى الكتب أو المقالات أو البرامج الفكرية. هذا الانزياح لا يعكس مجرد تطور تقني، بل يعكس أيضا فراغ معرفي سمح للآلة أن تملأه، في غياب مشروع معرفي وطني يعلي من قيمة العقل البشري، ويعيد الاعتبار للتفكير التأويلي، والفهم النقدي، والإنتاج المحلي للمعرفة.
وما يزيد الأمر تعقيد أن الخوارزميات نفسها لا تعمل في فراغ، بل تخضع لبرمجيات مملوكة لشركات كبرى، تتبنى توجهات سياسية وثقافية واقتصادية معينة. وبالتالي فإن استسلام المجتمع العراقي لهذه الأنظمة من دون وعي نقدي يجعل من المعرفة المولدة رقميا شكل جديد من أشكال الهيمنة الناعمة.
فمن الذي يقرر ما الذي يظهر في نتائج البحث؟ ومن يملك أطر تصنيف المحتوى؟ ومن يقرر ما هي المعرفة الجديرة بالظهور؟ في عصر الآلة الذكية، هذه ليست أسئلة تقنية بل أسئلة فلسفية وسياسية، تمس جوهر السيادة الثقافية لأي مجتمع.
لكن الأخطر من ذلك أن يتحول الفرد العراقي من ذات باحثة إلى مستخدم مستهلك، لا يسعى إلى الفهم بل إلى الإشباع اللحظي للمعلومة، فيفقد حس التأمل، ويتراجع لديه الشك الخلاق، ويذوب الفعل المعرفي في بحر من الارتجال والتلقي. هكذا تتحول المعرفة إلى ترف رقمي، وتتحول الخوارزميات من أدوات إلى آلهة رقمية تملي على البشر معايير الحقيقة والمعنى، من دون مساءلة.
إن إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والمجتمع في العراق اليوم تمر أولا عبر الوعي بحقيقة التحول الخوارزمي الذي يعصف بالعالم. وهذا الوعي لا يتحقق من خلال الخطاب التحذيري فقط، بل من خلال بناء ثقافة رقمية نقدية، تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند الجامعة. لا بد من إنتاج مشروع وطني للمعرفة، يتضمن إصلاح المناهج، وتحفيز البحث الحر، وتعزيز مهارات التفكير النقدي، ودعم الفضاءات المفتوحة للحوار، وتشجيع الإنتاج المحلي في الثقافة والتقنية، كي لا يكون العراق مجرد مستهلك للمعرفة الرقمية التي ينتجها الآخرون.
بالتالي لا يمكن الحديث عن مجتمع عراقي قادر على الفعل في عصر الذكاء الاصطناعي ما لم يستعد مركزية العقل، ويفهم المعرفة لا بوصفها منتج جاهز، بل فعل مستمر من مساءلة الذات والواقع. وإذا لم يدرك المجتمع العراقي أن الآلة الذكية، رغم تفوقها الحوسبي، تفتقر إلى المعنى، فإن مصير المعرفة سيكون الاغتراب، ومصير الإنسان سيكون الذوبان في أنظمة لا تعرف ماذا يعني أن تكون إنسان. المعرفة، في نهاية المطاف، ليست ما تقوله الخوارزميات، بل ما يقوله العقل حين يسأل، لماذا؟ وكيف؟ وماذا بعد؟


