النهضة الحسينية وصناعة الوعي

النهضة الحسينية وصناعة الوعي
يشير النص إلى دور التاريخ والأدب في توثيق ونقل رسالة الحسين عليه السلام، ويؤكد أن المطلوب اليوم هو تجاوز حدود الرواية والبكاء إلى صناعة وعي حقيقي يستلهم قيم النهضة الحسينية في واقعنا المعاصر. يرى الكاتب أن الثقافة هي وعي الواقع وفهم حركة الحياة، وأن بناء الوعي هو الرسالة الأهم التي يجب أن ننشغل بها، خصوصاً في ظل صراعات التغيير والثبات في المجتمع الإسلامي.....

من يوم العاشر من محرم والى يومنا هذا تصلنا رسائل الحسين عليه السلام وأهل بيته وأنصاره عبر التاريخ الذي أراه أدّى دوره في توثيق وحفظ الأحداث ونقلها إلينا.

كما أرى إن الأدب في فنونه المنوعة قد أدّى دوره في وصف أحداث النهضة وشخوصها والتعبير عنها شعرا ونثرا وبلاغة وإعلاماً، فكتب التاريخ وكتب الأدب حافلة بكثير من الإسهامات القيمة لكتاب وشعراء وأدباء ومؤرخين من مختلف الثقافات والاتجاهات والمعتقدات، جمعهم حول الحسين بعد نهضته الإنساني، رأيت كباحث في علم الإنسان أن انظر إلى أحداث تلك الواقعة بعيون الواقع الذي نعيشه اليوم وأتساءل هل هذا كل ما نريده من ثقافتنا كمسلمين بحق الحسين عليه السلام وتلك النهضة العظيمة ؟

الثقافة عندي هي وعي الواقع وفهم حركة الحياة فيه ودراسة الطريقة التي  يعيش بها الناس، فهي تصل الى حدود الوعي الإنساني، لذلك أرى إن صناعة الوعي هي الرسالة الحسينية المعاصرة التي علينا أن نقرأها ونشتغل عليها اليوم خصوصاً في المرحلة التي يمر فيها المجتمع بثنائية التغيير والثبات..

يرى علماء الاجتماع وعلماء الإنسان ان التغيير صفة طبيعية في كل مجتمع، لا يختلف مجتمع عن آخر في التغيير، إنما الاختلاف في درجات التغيير، فنحن كمجتمع إسلامي نرجو من عملية التغيير الإرتقاء بمنظومة الفرد والمجتمع وتطويرها ثقافياً وإقتصادياً وإجتماعياً وعمرانياً في إطار المشروع الإسلامي الثقافي الحضاري، وهنا أتساءل ما هو تقييمنا لحركة التغيير في المجتمع اليوم هل تتم في إطار المشروع الإسلامي الثقافي الحضاري؟

الأمر الثاني هو الثبات على القيم والمثل العليا التي لا تتضح في العربي المسلم معالم شخصيته بعيداً عنها والتي توافق عليها العرف الإجتماعي والدين، فصارت جزءاً أصيلاً في ذات الشخص، فهل يتفق الثبات مع التغيير الحاصل في المجتمع اليوم ؟

في محاضرة له، يقول السيد محمد باقر الصدر “ومجرد اننا نحب الحسين ومجرد اننا نزور الإمام الحسين ومجرد اننا نبكي على الإمام الحسين مجرد اننا نمشي الى زيارة الامام الحسين كل هذا شيء عظيم شيء جيد ممتاز شيء راجح لكن هذا الشيء الراجح لا يكفي ضماناً ودليلاً لكي يثبت اننا لا نساهم في قتل الإمام الحسين، يجب ان نحاسب أنفسنا، يجب ان  نعيش موقفنا بدرجة اكبر من التدبر والعمق والاحاطة والانفتاح على كل المضاعفات والملابسات لكي نتأكد من اننا لا نمارس من قريب او بعيد بشكل مباشر او بشكل غير مباشر قتل الامام الحسين عليه الصلاة والسلام”

تلك هي أجواء صناعة الوعي التي تبدأ بمرحلة الإستفهامات: لماذا وكيف ومتى وأين وما السبب، ثم تليها مرحلة  البحث عن إجابات، وقد يقتصر بعضهم على إجابة معينة وهو بذلك لا يستمر في صناعة الوعي، المطلوب هو مواصلة طرح الإستفهامات والبحث عن أجوبة.

من تنوع وكثرة الإجابات تأتي مرحلة الفرز والإختيار التي تبدأ عادة إنفعالية عاطفية عصبية وبعد فترة من المواصلة ينتقل الى مرحلة التأمل والتفكير وهذه المرحلة تأخذه الى مزيد من الإطلاع والبحث والقراءة التي بمواصلتها تبدأ معالم صورة الجواب والسؤال تتضح اكثر، هكذا هي عملية صناعة الوعي التي أراها من أهم الصناعات التي علينا ان نشتغل عليها في هذه الفترة القلقة من عمر المجتمع الإنساني وهو يتعرض الى محاولات إدخاله في خطوط إنتاج مشاريع الإستثمار الإقتصادي الصناعي السياسي الثقافي وهي تسعى الى انتاج عالم من الأشياء والأرقام تحكمه لغة رقمية بتقنية عالية وسرعة فائقة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *