تأمل في الترجمة الشعرية من العربية إلى الفارسية دیوان ” أنقذوا أسماکنا من الغرق” للشاعر رعد زامل “

تأمل في الترجمة الشعرية من العربية إلى الفارسية دیوان " أنقذوا أسماکنا من الغرق" للشاعر رعد زامل "
بعد تصفحي للترجمة التي قدمها الدکتور سید علی مفتخرزاده لدیوان الشاعر العراقي رعد زامل أنقذوا أسماکنا من الغرق ") الصادر عن دار آرون للنشر والتوزیع  2024 ) وبعد تذوقي للنصین_العربي والفارسی_بدا لي أن الترجمات لم تکن نقلا آلیا بل هي إبداعٌ متجدد في رحاب اللغة الفارسية. لقد اجتاز المترجم بمهارة نادرة صعاب ومنعطفات ترجمة الشعر ناقلا جوهرة أدبية من قالبها العربي...

بعد تصفحي للترجمة التي قدمها الدکتور سید علی مفتخرزاده لدیوان الشاعر العراقي رعد زامل أنقذوا أسماکنا من الغرق “) الصادر عن دار آرون للنشر والتوزیع  2024 ) وبعد تذوقي للنصین_العربي والفارسی_بدا لي أن الترجمات لم تکن نقلا آلیا بل هي إبداعٌ متجدد في رحاب اللغة الفارسية. لقد اجتاز المترجم بمهارة نادرة صعاب ومنعطفات ترجمة الشعر ناقلا جوهرة أدبية من قالبها العربي إلى الفارسي. ويمكن تحليل مميزات هذه الترجمة البارزة  كالآتي:

لم يقتصر المترجم على التقليد الأعمى كلمةً بكلمة، بل ظل وفياً للجوهر العاطفي والتصويري للقصيدة. فصورة “تساقط الأصابع” في العربية حُوفظ عليها في الفارسية بـ”فرو افتادند” (سقطت) لنقل إحساس الإرهاق بنفس القوة. حتى إضافة “بسیار” (كثيراً) إلى “اشاره داد” (أشار) تعزز التأكيد والتعب الموجودين في النص العربي. هذا الوفاء يدل على فهم عميق للرسالة الكامنة في النص، وليس للبنية السطحية فحسب.  الشعر بطبيعته موسيقى ووقع ورنین  لقد نقل المترجم بمهارة الموسيقى الداخلية للشعر العربي إلى أنسب إيقاع في الفارسية. حافظ  على ایقاع_في معظم القصائد_  مع بدائل ذكية؛ فمثلاً: “انجدووووونی” في العربية (صرخة طويلة ممتدة)، تحولت في الفارسية إلى “یاریمممم دهید” (ساعدونيييي) التي تنقل بنجاح كلاً من الامتداد الصوتي والاحساس وتوظیف كلمات مثل “گَزکُنان” (ببطء/زاحفاً) بدلاً من مرادفات أخرى لوصف حركة الأشجار، يخلق موسيقى خاصة إلى جانب الصورة.حيثما دعت الحاجة، قام المترجم بتقريب الصور للقارئ الفارسي بأسلوب رفيع دون تشويه الأصل. تحويل “البلاط” (القصر) إلى “قصر”، و”حافیا” (حافي القدمين) إلى “پا برهنه” (حافي القدمين) أمثلة على هذا التكيف الذكي. الأهم هو الحفاظ على الصور المفتاحية الكونية مثل “الأرنب” و”الذئب الجائع” دون تغيير، مما يؤكد عالمية هذه الرموز. والشعر الجيد زاخر بالغموض الدلالي لقد حافظ المترجم بحق على الغموض وتعدد الدلالات الشعرية :

أبصر أشجاراً / تجوب الشوارع / في الصباح تعود / وهي محملة بالحشرات”   تماماً كما في النص العربي، تخلق هذه الأبيات فضاءً سريالياً يحتمل التأويل كما يمكن فهم “الجفاف” و”الجدب” و”القمر” و”الحلیب ” في بعض النصوص بالمعنى المادي والمجازي معاً فهذا الحفاظ على الغموض ينشط خيال القارئ. کما تكمن القوة الرئيسية لهذه القصائد في الصور الصادقة والاستعارات الطریفة :

“غرقنا على اليابسة”، “في داخلي صحراء من الحزن / وعلى الصحراء ذئب يعوي”، “أشجار… تعود محملة بالحشرات”. لقد نقل المترجم هذه الصور بدقة وإبداع إلى الفارسية. واستعارة “حرق السفن” (قطع طريق العودة) حاضرة بنفس القوة في اللغتين. تحويل “تطل على الصحراء” إلى “مشرف بر برهوت” (مطلة على الصحراء المقفرة) اختيار دقيق وغني.  استفاد المترجم من الثراء المعجمي للأدب الفارسي: “عزلت” (العزلة)، “صنوبر” (شجر السرو/الصنوبر)، “غرق در اندیشه” (غارق في الفكر)، “بیمناک” (خائفة)، “برهوت” (صحراء مقفرة)، “گَزکُنان” (زاحفاً/بتمهل)، “صبحگاه” (فجر/بكوراً). هذه الخيارات لا تنقل معنى النص العربي فحسب، بل تحافظ على الجو الشعري والأسطوري للنص في اللغة الهدف. في  الختام أری  أن النص المترجم نموذج مشرق للترجمة الأدبية الإبداعية فهذه الترجمة لا تنقل المعنى فقط، بل تعيد خلق التجربة الجمالية للنص الأصلي في قالب جديد بتعمقه في اللغتين والثقافتين وتطبيقه نظريات الترجمة (وإن بشكل حدسي) عملياً، قد أبدع المترجم نصاً أدبياً قائماً بذاته في الفارسية ولم يكن مجرد ناقل، بل أصبح توأماً شعرياً للنص العربي في اللغة الفارسية وهي ترجمة تجذرت في تربة اللغة الفارسية ومدت أغصانها نحو سماء الشعر الفارسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *