النزعة الصوفية في رواية سفينة اسماعيل للروائي علي لفتة سعيد

النزعة الصوفية في رواية سفينة اسماعيل للروائي علي لفتة سعيد
لذا حين يدخل القارئ في لعبة التأويل، قد يتبادر الى الذهن أن الرواية ذات منحىً تأريخي أو ديني، لمقاربة العنوان في علاقته بالتاريخ والدين؛ كونه يستند بقوّةٍ على هذين المرجعين الأساسيين.. إلّا ان ما يتّضح لنا من خلال السرد، ‘ن السارد الشخصية المحورية (إسماعيل ) يشبّه مكتبته كأنها سفينة لضخامتها وتعدّد مصادرها، ويتعامل معها كأنها أرواحٌ تسكن هذه السفينة، الذي طالما كان يناجيهم في خلواته، يتراءى له ضحك هؤلاء الشخصيات، وتارةّ يأمرهم بالخروج جميعهم ليمثّلوا أمامه...
 كما عوّدنا الروائي في عتبة العنونة، يجعل منها باب خروجٍ وليس بوّابة دخول للنص، فلا يتّضح لنا قصدية المعنى، حتى نلج متن الرواية. هذا ما نلمسه في رواية (سفينة اسماعيل) الصادرة عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع2020 .
لذا حين يدخل القارئ في لعبة التأويل، قد يتبادر الى الذهن أن الرواية ذات منحىً تأريخي أو ديني، لمقاربة العنوان في علاقته بالتاريخ والدين؛ كونه يستند بقوّةٍ على هذين المرجعين الأساسيين.. إلّا ان ما يتّضح لنا من خلال السرد، ‘ن السارد الشخصية المحورية (إسماعيل ) يشبّه مكتبته كأنها سفينة لضخامتها وتعدّد مصادرها، ويتعامل معها كأنها أرواحٌ تسكن هذه السفينة، الذي طالما كان يناجيهم في خلواته، يتراءى له ضحك هؤلاء الشخصيات، وتارةّ يأمرهم بالخروج جميعهم ليمثّلوا أمامه.
وظّف الروائي بعد عتبة العنوان تناص (تناص واعي ) أي يكون الوعي فيه حاضرًا وفاعلًا يحقّق القصدية، تناصًّا صوفيًّا عرفانيًّا للشاعر والعالم الصوفي (سلطان العارفين) جلال الدين الرومي صاحب الطريقة المولوية: ” لاتكن بلا حب كي لا تشعر بأنك ميت ، مُت في الحب وأبق حياً للأبد!” وتناص أخر لحافظ الشيرازي وهو من أشهر الشعراء الغنائيين في إيران، ذو ميول صوفية يقول ” كن قريباً من كل ما يشعرك بسعادة أنك على قيد الحياة” ان استحضار هذه النصوص الغائبة تعزّز أدبيته وشعريته وبنياته الأسلوبية، مما يجعل من التناص تقنيةً فنيةً تعبيريةً وجماليةً.. وإن ما وظّفه الروائي من آليات اشتغال بتقنية السارد المشارك، الشخصية المحورية (إسماعيل) يتّضح ذلك من المعطى الأسلوبي وتمظهراته النصيّة وتحقّقه من خلال الضمائر النحوية (ضمير المتكلّم ) بتقنية السير ذاتية، نراه جليًا في البنية النصية الاستهلالية لمطلع الرواية “لم أكن أدرك معنى القدر، لو لا أنه ناصبٌ فخاخه بهذه الصورة الجميلة، لكي يصيدني بطريقة من ليس له مناص لتجنبه”ص8 يحكي السارد تجربته بصيغة العارف تارةّ، وكمحبّ وعاشقٍ تارةً أخرى بطريقةٍ صوفيةٍ وبلغةٍ شعرية، بما يحقّق النص السير ذاتي في تكوين أدبيةٍ يتيح له الانفتاح على ذاتٍ أخرى، يستطيع من خلالها أن يثري تجربته والذي يعبّر عن مرجعيةٍ ووعي الذات المبدعة، حيث يعطي بعدًا جماليًا يشدّ القارئ اليه.
ومن خلال المفردات الطاغية والجمل والبنى النصية، نلمس النزعة الصوفية بشكلٍ عام، وفي العشق بشكٍل خاص، ( العطر، الزعفران، المسك، الروح، الحضرة، الوصل، العشق، الحجاب، ترانيم القدسية، التجلي، الدهر، القدر) فضلا عن المفردات التراثية والأسطورية .. ومعانٍ ترد على القلب كما ترد على الصوفي من غير تعمّدٍ مثل ( الطرب ، الحزن ، والشوق ، ينتقل من حال الى حال (ما يحل بالقلب) ” هناك تراقص العشق في قلبي فنفخ فيه المسك ليعيد الماء الى فخار السنين ” ص10 وهذا إنما يعبّر عن تلقّي الروائي للعناصر التراثية والتاريخية والفنية وتوظيفها في الكتابة الروائية في ناحية الشكل والمضمون إبداعاً وإنتاجاً، وهذا ما نلمسه على لسان السارد (إسماعيل) ومدى استفادته ، وهو ينهل من هذه السفينة وما تحمله من كتبٍ أدبيةٍ وتاريخية ٍ وفلسفية. صوت السارد وهنا ما أعنيه ليس الصوت الفيزياوي، وإنما بالمعنى النفسي للشخصية وما يعتريها من حالةٍ من الاغتراب وحالتها النفسية وما يعتريها مونولوجا ومناجاة وهلوسة، بأحواله شدةً وضعفاً وخوفاً وهواجس، الشخصية الذي يشعر بانحدار معنوياته بعد غياب محبوبته (زمن) وبدء الحرب ولجوئه الى التطوّع في سلك الشرطة كي يجتنّب الحرب: “كانت جلساتي عبارة عن هذيانات متّصلة، تقاسمني الوحدة الحارقة، أعيد أسباب خساراتي الى مفهوم أن المثقّف كلما زادت ثقافته زادت خسارته، كونه يعيش في مجتمعٍ لا يتحمّل أفكاره ” ص119 وهذا الأسلوب في آلية الكتابة السردية من سمات أليات ما بعد الحداثة، كما يؤشّرها بوضوح باختين في كتابه (آليات الكتابة السردية).. وما نراه هنا أن صوت السارد (الشخصية) كان تعبيرًا عن حالتها النفسية، ونتيجة لاهتزاز الشخصية وحالة الهلوسة والتهويمات التي هيمنت عليها، وفقدانها التوازن، وغياب تماسكها النفسي بسبب اهتزاز عوامل الإيجاب في جوانب الحياة كلها، فكان الصوت الذي يراودها مظهرًا من مظاهر فقدانها الأمن والانسجام وتسلط القلق.
” كدت أتهالك وسط كومات من القلق والارتجاف والخوف والتلعثم، ولم تتحرّك قدماي إلّا لمربعٍ واحدٍ، لم أتنفّس سوى حفنة من حرارة خانقة. وجفاف في الحلق، وتيبّس في الشفتين “ص 106. وهذ الأسلوب كفعلٍ تغيريٍ وتجريبي ذي المنحى التأصيلي، والمتمثّل في التجربة الصوفية وكيفية استلهامها وتوظيفها حداثيًا، ينطلق من وعي الروائي ومن مفهومه الجديد للرواية، في الحقل الابداعي. “لم أزل مشغولًا بالدوران حول نفسي في باب القبلة، أمدّ بصري من خلل الباب الخشبية العريضة لألج الى داخل الضريح ، أدعو ليكون اللقاء يسيرًا مقبولًا محمودًا “ص105 يصف لنا في هذه البنية السردية أشبه بالمتصوّفة، خلال ممارسة طقوسهم في الدوران، حول النفس ليحقّقوا تجرّد النفس والاتصال الالهي: ” أهز ذراعي بتمايل لا أفهم إن كان رقصاً أو لعباً، فيندب القلب حضوره متناغماّ مع تنفسي وهذياني من أن الحب ليس مادة ملموسة كي نقبله أو نرفضها، بل هي ما بين العرفان والوحدة، بيت التصوف في المعاني والتماعات الأفكار الضاجّة ” 104 عمد الروائي الى التنوّع في أسلوب السرد، ليكسر رتابة السرد الكلاسيكي، ليضمن موضوعات لها أثرها الاجتماعي والسياسي والنفسي والثقافي مما يجعل القارئ يتنقّل بين السرد الذاتي والموضوعي، ممّا يعطي للسرد متعةً وطاقةً تأثيريةً للمتلقّي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *