في الحرب الجوية والصاروخية المحتدمة بين إيران وإسرائيل، تتكشف اليوم جبهة أكثر هدوءًا لكنها لا تقل فتكا، وهي الحرب الرقمية، التي باتت مندمجة بشكل حاسم مع التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي. في الواقع، لم تعد الحرب السيبرانية مجرد هجمات ( تعطيل الخدمة الموزع (Distributed Denial of Service) ) DDoS أو تسريبات تقليدية، بل أصبحت أكثر تعقيد وتطور بفضل اتباع أنماط هجومية يجمع فيها كلا الطرفين بين البرمجيات الخبيثة والخوارزميات الذكية لزيادة فعالية هذه العمليات.
إيران، التي دفعت الإمارات إلى قطع الإنترنت وتقييد الاتصالات عبر الهاتف، لجأت إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الإقناع والتشويش النفسي. فقد سجلت حالات اتصالات عبر تطبيقات قياسية أظهرها المتصلون على أنها صادرة من أرقام مألوفة، لكن الرد كان بصوت مشوه غريب، ربما يتم إنشاؤه باستخدام تقنية تحويل الأصوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي . كذلك ظهرت موجات هجمات DDoS وهجمات تصيد وحملات تشهير تنسّقها مجاميع هاكتيفست موالية لإيران، موجهة نحو مواقع إسرائيلية رسمية وشركات هدفها نشر الهلع والتوتر في الداخل الإسرائيلي .
أما إسرائيل، فتستخدم مقاربات هجومية دفاعية تعتمد على ذكاء اصطناعي متقدم لشن ضربات نوعية على بنية إيران التحتية الرقمية. فقد دشنت الهجوم الإلكتروني الذي تم عبر مجموعة Predatory Sparrow ، مستهدف النظام المالي الإيراني والمنصات المصرفية والتي أدت إلى اختراق خزائن الأموال المشفرة لشركة Nobitex وتعطيل خدمات بنك سپاه .كما جرى اختراق بث تلفزيون الدولة في طهران، وعاسين إرباك متزامن مع إطلاق صواريخ ، فيما استغل الذكاء الاصطناعي في الاستيلاء على كاميرات المراقبة المنزلية في إسرائيل لتعزيز دقة التوجيه الصاروخي عبر تأمين تغذية فورية لصواريخ إيران.
على المقلب العسكري التقليدي، توظف إسرائيل وكالة المخابرات (الموساد) وتقنية الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات أمام عملياتها السرية داخل إيران، كما دفع ذلك إلى استخدام طائرات بلا طيار مزودة بخوارزميات ذكية للاعتراض والإصابة في هجمات دقيقة استهدفت مواقع للذخيرة وأفراد من الحرس الثوري .
إضافة إلى ذلك، فائض الذكاء الاصطناعي ظهر في الحرب على الجبهة الإعلامية الرقمية، حيث تنتشر الأخبار والفيديوهات المزيفة ، وقد أكدت مصادر أن حملة تيك توك إيرانية استخدمت الذكاء الاصطناعي لصياغة رسائل داعمة وتشكيل رأي عام موجه . هذه الحشود من المحتوى الوهمي تشكل جبهة (الحرب الناعمة الرقمية)، وتمثل استخدام هجومي مدروس لتغيير المعطيات النفسية والذهنية لدى الجمهور العالمي.
إذن ما نشهده ليس حربًا سيبرانية فقط، بل حرب رقمية-ذكائية متعددة الأبعاد، دفاعا وهجوما، عمليات كتخريب مالي، تهديدات نفسية، اختراقات لاستخباراتية، وتنسيق إعلامي بالذكاء الاصطناعي. هذا الانخراط مضمن داخل الحروب التقليدية، محفز لإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي، فكل صاروخ أو طائرة في الأجواء مصاحب لها برمجيات تشغلها خوارزميات ذكية لضمان التأثير الفعال.
ومع التطور المستقبلي للذكاء الاصطناعي إلى MAICAs وكلاء سيبرانيين ذاتيين القابلية على اتخاذ قرارات هجومية متطورة فإن هذه النزاعات الرقمية ستتحول إلى ساحات تدار بشكل شبه مستقل، تعتمد على قدرات حسابية وتعلم آلي في التخطيط والتنفيذ. الأمر الذي يضعنا أمام مشهد جديد كليا، حيث لا تقاس مساحة السلطة العسكرية فقط بالقوة الصاروخية أو الجوية، بل أيضا بقدرة الذكاء الاصطناعي الممول والمنسق لشن هجمات ذات تأثير مزدوج، رقمي وميداني.
وهنا تكمن المفارقة، بينما يحاول كل طرف إخضاع الآخر عبر صاروخ يعبر الأجواء، يرى الآخر نفسه موهنا أو متقدما بمقدار ما يتحكم في موجات الشيفرات ويعالجها. الحرب الإيرانية–الإسرائيلية اليوم تمثل تجربة اختبار لطبيعة جديدة للصراعات المستقبلية، حيث الخوارزميات الذكية ليست مجرد أدوات مساعدة، بل شريكة حقيقية، وقد تصبح ، قريبا ، نهج حرب بحد ذاتها، ترفع سقف التحدي في الأمن الرقمي والجغرافيا السياسية معا.


