فن الرواية من الفنون الانسانية المعبّرة عن هموم الانسان وتطلعاته ؛ لذا اصبحت الرواية الجيدة او المقبولة من جمهور القراء ، هي رواية استطاعت ان تفلت من سيل الروايات الصادرة كل عام ان كان داخل العراق او خارجه حتى صارت متابعتها صعبة لكثرتها . وهذه الاعداد الغزيرة من الاصدارات الروائية ،قد لا تخلو من الناحية الايجابية والمثمرة والمجدية، لانها تعبّر عن الوعي وانتعاش الادب بكونه حالة انسانية نفيسة لا يمكن ان تتلاشى مهما طال الزمن .
ومؤكد ان الروايات التي تستحق القراءة منها هي تلك المكتوبة بأسلوب شيّق وبلغة متماسكة واضحة خالية من التعقيد وحبكة قوية وموضوعاتها سامية جديرة بالمتابعة وتجد ان شخصياتها مصنوعة بعمق ومستندة على جوهر واساس قوي وتخوض صراعات معقدة ومتشابكة ، فتمنح النص الروائي طاقة جذابة وممتعة وتشدّ القاريء حتى اخر سطورها وتجده يتلهف لمتابعة احداثها لاكتشاف جمالية وتشويق ربما لا يجدها في بعض الروايات التي تفتقر لتلك الصفات .
وربما تقع في فخ الملل والرتابة حتى ولو كان الموضوع جيدا لان معالجته حتما ستكون بلغة رتيبة خالية من البذخ البلاغي والمعاني والوعي بأسرار اللغة واغوارها .. ان ضعف النص الروائي قد لا يكون هو السبب الاول في ضعف موهبة الكاتب وقد تكون هناك اسباب اخرى مثل دخوله ميدان الرواية دون استعداد تام يليق بعوالم فن الرواية المبهر ، او قد يكون اديباً يجرب كل الاجناس الاخرى وعسى ان يجد نفسه في إحداها .. ان كاتب الرواية عليه ان يتحصن بقوة معرفياً ويقرأ كثيرا ليطلع على تجارب الاخرين من الروائيين ، قبل الدخول في هذا الميدان المتشابك الملئ بالمتاهات وبالفخاخ والعثرات .
ان اعتبرنا ان الرواية هي عوالم متناقضة ومتشابكة واعادة تشكيل القيم المتهالكة والخراب المحتمل والدمار المفتعل ومن ثم اظهار روح الجمال من بيم ثنايا السرد المتمكن والمتناغم مع الخلق والابتكار ، فان الروائي هو صانع هذه العوالم بتمكن ورغبة في ازاحة الغبار عن رؤى غائبة وبعيدة ويمتلك مشروعاً مهماً في بناء السرد ورفع شأنه وبث روح الجمال والابداع في تدفقاته المعبرة عن ما يمور في داخله .. هذا الروائي المبتكر يعمل على صنع عالمه الخاص بموثوقية وابهار ودهشة لا يمكن ان يتوانى عنها في أي عمل من اعماله ، انه صاحب التأثير في فضاء السرد النافذ والمُلهم .. انه يمتلك مشروعه الواعد في الفضاء الادبي عامة وفي مجال السرد الروائي خاصة وله بصمة مؤثرة في مجاله كالحرفي الماهر عندما يصنع شيئاً متميزا وبراقاًام الاشياء المتناثرة التي لا تبهر ولا تؤثر يوماً ابدا .. وتجده في كل عمل روائي جديد يضيف بصمة اخرى وابتكار اخر الى مشواره والى مسيرة الرواية على طول المدى .. فثمة اسئلة كبرى وعبارات تستفز وتأويلات لا حدّ لها .. وهو بالتأكيد يختلف اختلافاً مباشرا عن كاتب الرواية الذي لا يمتلك نظرة ثاقبة الى عوالم الدهشة والانبهار والقيم الجمالية حتى ولو كتب سيلا من الروايات لا حصر لها لانها خالية من روح الابداع والتأثير وفاقدة للاشتغال الفكري والمعرفي والجمالي والرؤى .. ستظل بعيدة عن عناصر الخلق والابتكار وصياغة الافكار والخوض في اسرار اللغة لأنها قد تكون خالية من الموهبة والقدرة على صناعة سرد مدهش او كتبت صدفة او تحت تأثير معين او للتفاخر او يريد ان يسجل اسمه في لوائح الروائيين دون ان يستطيع التنقيب والحفر واكتشاف اللقى الثمينة في حكاياته ومروياته .. سيظل كاتبا بلا محددات ابداعية ولا قدرات استثنائية في التحدي ولا تمكين من ادوات الكتابة الصعبة والمؤثرة وليس بالضرورة ان يمتلك الهم الانساني وهواجس القلق الذي ينتاب الروائي المبتكر .. ان الفرق بين الروائي المثابر وكاتب الرواية هو انهما لا يلتقيان في الوصف او الاوصاف او المقارنة بين شبيهين، بل انهما متقاطعان ويسيران بخطوات متباعدة ولا يلتقيان مهما سارا في طريق السرد الطويل ومن المؤكد ان كاتب الرواية غير الموهوب ، سوف يتعب من ماراثون السباق الروائي لأنه دخل دون غطاء ابداعي يحميه ويمنحه حصانة وقوة وهو يخوض في هذال المجال الصعب .
ولا شك ان طريق الرواية الشاق والعسير والمرهق ، ليس متاحاً لغير اصحاب الهم الانساني والفكر والرؤى والموهبة والبراعة والمهارة والاستمرارية في البناء وصناعة الدهشة . ولا يمكن ان يُصنع النص الروائي المتميز دون قلق وخوف وخشية من قبول الآخرين له وهو ما يفكر به الروائي الحريص على فنه وموهبته وقدراته في بناء عوالم مدهشة من الحكايات .

