في لحظة سياسية وعسكرية شديدة التوتر، دوّى صوت جنرال أميركي سابق من خارج جوقة الصمت الرسمي، فهزّ أروقة السياسة الأميركية والدوائر الإعلامية بكلمات مباشرة لا تحتمل التأويل. العقيد دوغلاس ماكجريجور، المستشار السابق في وزارة الدفاع الأميركية، نشر تغريدة حملت في طياتها شهادة صادمة وتحليلاً دقيقًا لما يجري خلف ستار التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، وما قد تجرّه هذه المغامرة من كوارث إقليمية وعالمية.
ماكجريجور لم يُخفِ صدمته من التوقيت الذي اختارته إسرائيل لشن ضربة استباقية ضد إيران، بينما كانت المفاوضات بين واشنطن وطهران لا تزال قائمة في سلطنة عمان. الهجوم، كما وصفه، باغت إيران وأربك السياق الدبلوماسي، لكن المفاجأة الكبرى كانت في رد طهران السريع، والذي وصفه بـ”الانتفاضة الصاروخية” التي انهالت على تل أبيب خلال أقل من 18 ساعة من الضربة.
فشل القبة الحديدية، وانكشاف الاستخبارات، وانهيار سيناريو الردع – كلها مؤشرات سردها العقيد بمرارة المحارب العارف، مشيرًا إلى أن إسرائيل وجدت نفسها في موقف العاجز، بينما بدأ رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، كما يقول، بـ”التوسل إلى واشنطن” للتدخل عسكريًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ولأن الحديث جاء من قلب المؤسسة العسكرية الأميركية، فقد وضع ماكجريجور أرقامًا صادمة أمام الرأي العام:
12 تريليون دولار أُنفقت منذ 2003 على حروب الشرق الأوسط، 7 آلاف جندي أميركي قُتلوا، و50 ألفًا جُرحوا، دون تحقيق أي مكاسب استراتيجية. وفي المقابل، تعاني أميركا داخليًا من حدود مفتوحة، وأزمات إدمان، واقتصاد يئن تحت وطأة دين عام تجاوز 37 تريليون دولار.
الأخطر من ذلك، حسب تحذيره، هو احتمالية قيام إسرائيل بضربة على منشآت النفط الإيرانية مثل جزيرة خرج أو موانئ بندر عباس، مما سيدفع إيران – على الأرجح – إلى إغلاق مضيق هرمز، ويدخل العالم في دوامة اقتصادية خانقة، مع قفزات جنونية بأسعار الوقود وتعطل سلاسل التوريد.
وفي لغة دقيقة تحاكي الحسابات العسكرية، أشار ماكجريجور إلى خلل فادح في المعادلة:
صاروخ “شاهد” الإيراني بـ20 ألف دولار يواجهه صاروخ “باتريوت” بـ4 ملايين دولار. الاستمرار في هذا المسار يعني نزفًا ماديًا وعسكريًا قاتلًا للولايات المتحدة، وسحبًا لجنودها من الخليج في توابيت.
أما رسالته الأخيرة، فكانت دعوة واضحة لإعادة صياغة السياسة الأميركية:
وقف فوري لإطلاق النار، كبح جماح إسرائيل، تعليق المساعدات العسكرية لها، وإشراك قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند في مؤتمر سلام شامل ينهي دورة الدم، ويعيد التوازن إلى المنطقة.
ما قاله الجنرال ليس صرخة رجل غاضب، بل تحذير خبير يعرف أن الانزلاق نحو الحرب لا يحتاج سوى إلى قرار متهور أو صاروخ طائش. وفي زمن تتساقط فيه الخطوط الحمراء بسرعة، قد تكون هذه التغريدة آخر نداء للعقل.


