الحرب النفسية والإعلامية

الحرب النفسية والإعلامية
ليست حوادث الاغتيال مجرد وقائع أمنية، بل أدوات في الحرب النفسية والإعلامية. الصدمة الاستراتيجية تُوظف لفرض روايات سريعة، ومنح الضحية رأس مال رمزياً، وتحديد عدو داخلي أو خارجي. الحقيقة أقل تأثيراً من الرواية الأكثر انتشاراً...

جَردَة عن حوادث الاغتيالات أو حتى محاولاتها الفاشلة على مستوى أميركا ليست مجرد وقائع أمنية معزولة، بل تتحول سريعاً إلى أدوات ضمن ما يُعرف بـ“الحرب النفسية والإعلامية”. ◇فالتاريخ السياسي الحديث، بدأً من اغتيال “جون كينيدي” إلى محاولات استهداف “دونالد ترامب”، يكشف أن القيمة السياسية للحدث لا تكمن فقط في وقوعه، بل في كيفية توظيفه.

◇الحدث كـ“صدمة استراتيجية”

بمعنى أن أي محاولة اغتيال تولّد لحظة صدمة، وانهيار مؤقت للإحساس بالأمان، فيتم تركيز إعلامي عالمي فوري عليه، ويتم تعطيل النقاشات العادية واستبدالها بسؤال واحد “ماذا حدث؟”هذه الصدمة تُستغل لفرض روايات سريعة قبل أن تتشكل الحقائق الكاملة. ففي اغتيال “جون كينيدي” عام 1963، لم تكن الصدمة مجرد رد فعل شعبي، بل لحظة أعادت تشكيل ثقة الأمريكيين بدولتهم لعقود.

◇وفي معركة الروايات البطل هو مَن من يملك “القصة”؟

بعد كل حادثة، تبدأ حرب موازية،

للرواية الرسمية ونتائج التحقيقات وما تُدلي به الأجهزة الأمنية،

الرواية الإعلامية أولاً؛ هي تفسير الصحافة وتحليلها، والرواية البديلة هي نظريات المؤامرة والتفسيرات الشعبية،

◇في حالة جون كينيدي التقرير الرسمي يعتبر (فاعل منفرد) في مقابل سيل من النظريات (مخابرات، قوى خارجية) وغيرها،

◇وفي حالة “دونالد ترامب” رواية“محاولة اغتيال حقيقية وخطر متصاعد” مقابل “عملية مبالغ فيها أو مستثمرة سياسياً”

النتيجة في كِلآ الحالتين، الحقيقة تصبح أقل تأثيراً من الرواية الأكثر انتشاراً.“لتأثير الضحية” وإعادة إنتاج الزعامة! إن النجاة من محاولة اغتيال تمنح السياسي رأس مال رمزياً هائلاً

يتحول من “سياسي عادي” إلى “شخص مستهدف”تُبنى حوله صورة القائد الذي يخشاه خصومه، في حالة ترامب،استُخدمت الحوادث لتعزيز خطاب “أنا أُحارب من الداخل”

ارتفعت وتيرة الالتفاف الشعبي داخل قاعدته، هذا النمط ليس جديداً؛ فقد استُخدم سابقاً عبر التاريخ لتعزيز الشرعية، خاصة في الأنظمة أو البيئات المنقسمة. تبريراً لخلق عدو وتبرير السياسات الخاطئة!.

الأحداث العنيفة تُستخدم لتحديد “العدو” الداخلي المؤلف من  (معارضة، جماعات متطرفة) والخارجي المؤلف من (دول، شبكات دولية)

أوضح مثال على ذلك هجمات 11 سبتمبر، التي لم تكن مجرد هجوم، بل نقطة تحول أدت إلى حروب خارجية،

وسَن قوانين أمنية مشددة وإعادة تعريف مفهوم “التهديد” كل هذا يأتي في سياق محاولات اغتيال شخصيات سياسية، ويمكن استخدامها لتبرير تشديد أمني، أو لتغذية خطاب سياسي ضد خصوم معينين

◇دور الإعلام بهكذا موقف، ناقل أم فاعل؟ الإعلام لا يكتفي بنقل الحدث، بل يختار الزوايا،ويحدد الأولويات،

ويضخم أو يقلل من عناصر معينة

في عصر الشبكات الاجتماعية،

لم يعد الإعلام التقليدي وحده المؤثر

الجمهور نفسه أصبح منتجاً للروايات

وهنا تظهر خطورة انتشار المعلومات المضللة، التي تؤدي الى تسارع الأحكام قبل اكتمال التحقيقات

◇ويبقى السؤال هل نظريات المؤامرة عرض أم أداة؟ نظريات المؤامرة تظهر دائماً في مثل هذه الأحداث، لكنها تؤدي وظائف متعددة، أولها ملء الفراغ المعرفي، ثانياً؛ التعبير عن فقدان الثقة بالمؤسسات، وأحياناً تُستخدم سياسياً لتشويه الخصوم أو تعبئة الأنصار،

◇في عملية اغتيال كينيدي،

أصبحت النظريات جزءاً من الثقافة السياسية الأمريكية!. وفي حالة دونالد ترامب،الانقسام الحاد جعل كل طرف يتبنى تفسيراً يخدم موقفه الشخصي،

◇في واحدة من المقارنات، كينيدي vs ترامب،

◇في قضية كينيدي كان اغتيال ناجح

أدى إلى صدمة وطنية عميقة وتآكل الثقة بالمؤسسات، ونشوء ثقافة الشك السياسي،

◇أما ترامب جميع المحاولات فاشلة

أدت إلى تصاعد الاستقطاب واستخدام سياسي مباشر للحدث

واستمرار الجدل بدلاً من حسمه

الفرق الجوهري بين العمليتين؟

كينيدي أصبح “حدثاً تاريخياً مغلقاً”

ترامب يمثل “حدثاً سياسياً مفتوحاً” يُعاد تفسيره يومياً،

حوادث الاغتيال ليست فقط صراعاً بين منفذ وضحية، بل صراع على الوعي وصراع على الرواية وصراع على توجيه الرأي العام،

◇في عالم اليوم، الحدث الحقيقي مهم لكن الأهم هو من ينجح في تحويله إلى قصة مقنعة. وهذا بالضبط ما يجعل هذه الحوادث جزءاً أساسياً من أدوات “الحرب النفسية والإعلامية” الحديثة، سواء في الولايات المتحدة أو في أي نظام سياسي آخر.

في الخلاصة ترامب صانع الميديا

ترامب كاذب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *