في عالم تختلط فيه السياسة بالقوة، والمصالح بالمصير، تبقى الحروب ، حتى وإن كانت افتراضية ،بمثابة محك لكشف مدى هشاشة النظام العالمي، وحدود القوة، وتكلفة الطموحات الإقليمية. الحرب الخاطفة التي امتدت على مدى اثني عشر يوم بين أطراف إقليمية ودولية بارزة، خلفت وراءها سؤال لا يزال مطروح بقوة، من هو المنتصر الحقيقي في هذا الصراع الذي تمثل في تبادل كثيف للنيران بين طرفين رئيسيين، وتدخل مباشر من قوة عالمية كبرى؟
ما جرى خلال تلك الأيام القليلة لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كان اختبار لقدرة الأطراف الفاعلة على المناورة، والصمود، والتأثير. لقد بدا واضح أن كل طرف دخل المعركة وهو يحمل هدف استراتيجي ما، يسعى لتحقيقه عبر وسائل محددة، لكنه خرج منها بنتائج ربما لم تكن كلها في الحسبان. ومثل هذه الحروب لا تقاس فقط بعدد الصواريخ أو الدمار أو الطلعات الجوية، بل تقاس أيضا بمدى تأثيرها على بنية الاستقرار الإقليمي، وعلى ميزان القوى، وعلى وعي العالم بالمخاطر التي تحيط به.
ما يمكن قوله بتجرد وحياد، هو أن كل طرف شارك في هذا الصراع خرج منه وهو يحمل أعباء أكثر مما حقق من مكاسب. صحيح أن هناك من يرى أن بعض الأهداف العسكرية قد تحققت، وأن الردع قد أُثبت، وأن الرسائل السياسية قد وجهت بدقة، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أن الجميع خسر، كل على طريقته، فالبنية التحتية تضررت، الثقة تراجعت، الخطاب التصعيدي تصاعد، والمخاوف من القادم تعمقت. والأهم من كل ذلك، أن هذا الصراع، رغم قصره، اقترب بالعالم خطوة خطيرة نحو الهاوية.
في مقابل هذه الخسائر المتناثرة، لا يبدو أن ثمة رابح حقيقي سوى (العالم ) ذاته، الذي تجنب في اللحظة الأخيرة انزلاق كارثي إلى حرب إقليمية شاملة. لقد كانت الوساطات، والتحركات السريعة من بعض الدول، بمثابة صمام أمان أنقذ المنطقة والعالم من سيناريوهات أكثر عتمة وسواد، ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، انهيار سلاسل الإمداد، أزمة لاجئين جديدة، وارتدادات اقتصادية وسياسية قد تمتد لعقود. لذلك، فإن النجاة من التصعيد الشامل تمثل الانتصار الأهم في هذا المشهد القلق.
ليس المقصود هنا تبرئة أي طرف من أفعاله أو نواياه، بل إن الاعتراف بتعقيد المشهد هو جزء من فهمه. كل طرف حاول أن يفرض إرادته وفق مصالحه، وكل طرف واجه واقع لا يخلو من التحديات. البعض رغب في تأكيد تفوقه العسكري، وآخرون أرادوا إيصال رسائل ردعية، لكن الحصيلة النهائية لا تخرج عن كونها خسائر متبادلة، وتوازن هش يعاد ترتيبه تحت ضغط العنف.
إن ما يجعل من العالم الرابح الوحيد، هو أنه في لحظة مفصلية اختار الاحتواء بدل الانفجار، وفرض التهدئة بدل المجازفة. ليس لأن الجميع أراد السلام، بل لأن تكلفة الحرب باتت أعلى من أن تحتمل. وهذا بحد ذاته مؤشر على نضج دولي نسبي، لكنه هش، يحتاج إلى تعزيز وتثبيت. فقد تجنبنا هذه الحرب كارثة، لكنها لم تلغِ الأسباب التي قد تؤدي إلى حروب قادمة.
من هنا، لا يمكن النظر إلى نهاية حرب الأيام الاثني عشر على أنها نهاية قصة، بل على العكس، إنها بداية مرحلة أكثر حساسية، تتطلب مراجعة شاملة لطريقة إدارة الأزمات في هذه المنطقة المتفجرة. فالرهان على القوة، وحده، لم يعد كافي، كما أن المراهنة على توازن الرعب دون أفق سياسي واضح، قد تكون مقامرة لا تقل خطورة عن الحرب نفسها.
ربما لا يحمل التاريخ هذا الصراع القصير كعلامة انتصار لأي من أطرافه، لكنه سيحمله كإشارة تحذير. انتصر العالم ، ولو مؤقتا ، لأنه تجنب الأسوأ. لكن هذا الانتصار ليس نهاية الطريق، بل دعوة للتفكير الجدي في آليات جديدة لضبط التوترات، وفتح مساحات أوسع للدبلوماسية، وصيانة الأمن الإقليمي والدولي على أسس أكثر توازن وعدل.


