في قصة قصيرة مكثفة بعنوان (المغامرة الأخيرة) للاستاذ عبدالله الميالي يطل علينا بنص يمزج بين الرمزية السياسية والرؤى الأخلاقية ، متكئا على سرد حكائي يتجاوز واقعيته الظاهرة ليغوص في التأويل الميتافيزيقي والبعد الأسطوري.
العنوان بحد ذاته يفتتح بوابة التأويل (أخيرة) ليست صفة للحدث فحسب ، بل تلمح إلى مصير مأساوي يوشك أن يطوى بيد من ظن نفسه السيد على خيوط اللعبة وهو ما يتجسد في شخصية القائد المتغطرس ، الذي يوشك أن يأمر بضرب غريمه الشرقي ، فيختار أن يقف لحظة على مشارف الغيب ، عل في قراءة الطالع ما يبدد ارتباكه.
لكن العرافة التي يزورها ليست بائعة أوهام ، بل تمثل في رمزية سردية واضحة صوت التاريخ الشعبي والحدس الأخلاقي . تقرأ وجهه لا فنجانه ، وتراه (لوحة تجريدية تتراقص عليها جثث أطفال غ…زة) في استعارة قاسية تدين قسوته وانفصاله عن الواقع .
الفنجان بدوره لا يخلو من دلالة ، إذ تتوسط قاعه نجمة داود إشارة صريحة إلى هوية الاحتلال والخراب وما إن تقلب أوراق الطالع حتى تظهر نبوءة الهزيمة هو أمام خصم شرقي ، من أحفاد عبد المطلب ، لا يؤمن فقط بأن (للبيت رب يحميه) بل سيطلق سراح طيور الأبابيل من أسرها (وأرسل عليهم طيرا ابابيل) ، وسترتد الضربة على صاحبها.
تمضي القصة بلغتها الكثيفة المشبعة بإيحاء شعري ، وتنتقل بسلاسة بين حوار درامي ووصف رمزي ، يضفي على النص عمقا فلسفيا وأخلاقيا . ورغم أن هناك فجوة زمكانية بين الحوار داخل غرفة العرافة ومشهد النهاية فوق مدينة القدس فإن الخاتمة تظل مفتوحة على ضوء مبشر (نيزك مضيء يحمل راية خضراء تسقط على قبة المسجد الأقصى) في رمز مهدويّ يشير إلى أن العدالة الالهية ، وإن تأخرت ، آتية من السماء.
إنها قصة قصيرة لا يقاس أثرها بطولها ، بل بما تطرحه من أسئلة حول الطغيان ، المصير والحق ، نص يدين الحرب باسم الحكمة ويحتكم إلى النبوءة لا إلى الغطرسة. وبهذا ، تكون (المغامرة الأخيرة) فعلا ، ليست مغامرة عسكرية ، بل مغامرة وجودية تخاض ضد الذات أولا .
القصة
المغامرة الأخيرة
قبل أن يأمر بتوجيه سرب من الطائرات للهجوم على غريمه التقليدي في الشرق، قرر أن يلتقي بالعرّافة ليستكشف طالعه.
ــ أنت رجل مغامر، ونجحت كثيراً .. ولكن هذه المرة ..
ــ كيف عرفت ذلك وأنا لم أشرب قهوتي بعد ولم تقرئي فنجاني؟
ــ يا ولدي قرأتُ وجهك الذي بدا كلوحة تجريدية تتراقص عليها جث/ث أطفال غ.زّ.ة.
ــ اتركي وجهي واقرئي طالعي يا امرأة!
تفحّصت العرّافة فنجان القهوة، الذي نُقشت في قاعه نجمة داود، وقلّبته مراراً .. نظرة على الوجه التجريدي، وأخرى على الفنجان:
ــ يا ولدي أنت مقبل على مغامرة خاسرة .. ستُهزم هزيمة نكراء .. ذلك الرجل الشرقي العنيد أكثر دهاءً منك .. هو من أحفاد عبد المطلب، ولا يكتفي بقوله: (للبيتِ ربٌّ يحميه) .. سيطلق سراح طيور الأبابيل من حبسها .. سيتعرض هيكل سليمان للخطر .. المنايا تركض خلفك .. راجع نفسك قبل فوات الأوان، فشعبك في خطر.
تجرّع مرارة القهوة وارتجفت شفتاه.. نهض من مكانه بعد أن وضع في يد العرّافة خمسة شيكل .. في طريق العودة لمح فوق مدينة القد.s نيزكاً مضيئاً يحمل راية خضراء تسقط فوق قبّة المسجد الأقصى.


