(الأمهات فكرة مجنونة للآلهة) عبارة تختزل فلسفة كاملة في سبع كلمات يطلقها الحسين في ضربة لغوية خاطفة ، لكنها مشحــــــونة بالرمزية والدهشة والبعد الأسطوري ، جاعلا من الأمومة حدثا لا يفسر بل يبهر به. الجنون فــــــــــــي سياق العبارة لا يعني الفوضى أو اللاعقلانية كما في الاستعمال الشائع، بل هو الانفلات الإلهي من حدود المنطق ذلك الجنون الجميل الذي يدفع قوة خالقة لاختراع كائن يمنح الحياة بلا مقابل (يحمي، يحتمل، ويتجاوز الألم بصمت) في دورة لا يمكن أن تُختزل في التعريفات. إنّ ربط الأم بفكـــــرة الآلهة يعيدنا إلى الأساطير الأولى ، حيث كانت الأنثى هي (الخالقة ، المقدّسة، المانحة) وفـــــي الوقت ذاته الحارسة والنذيرة. الأم هنا ليست كائنا بل فكـــــرة اخترعتها الآلهة كما يخترع الضوء ، وكما تخلق المعجــــــــزة أما (الجنون) فهو طابع هذه الفكرة عطاء غير مشروط ، احتواء لا يفك شفرته ، محبّة لا يمكن تفسيرها وكأنها فوق القانون الإنساني. اللغة في هذه العبارة (مكثفة، متقشفة) لكنها تنفجر بالدلالة ، وهي سمة من سمات الكتابة الحداثية التي ترفــــــــــــــــــــــــض المباشرة وتؤمن بقوة الإيحاء وهذا ما يجعل القارئ أمام عبارة قصيرة لكنها تفتح أبواب (التأمل الفلسفي، والوجداني، بل والروحي). (الأمهات فكرة مجنونة للآلهة) ليست مجــــــــــــــــــــــرد عبارة شاعر بل بيان شعري وجودي يعيد إلينا دهشة الأمومة ، ويؤكــــــــــــــــــــد أن بعض الأفكار لم تخلق على يد البشر ، بل على يد مجانين من نور يسمونهم في القصص القديمة (آلهة) .
العبارة ليست فقط شحنة شعرية مكثفة بل بذرة خصبة لقصائد كاملة سواء نظمت على شكل شعر حر ، أو عمودي ، أو حتى نثر شعري. فهي تحمل في داخلها : بعداً وجودياً : الأم ككائن يتجاوز الفهم. بعداً أسطورياً : وكأنها خلقت من طين الآلهة لا من تراب البشر. بعداً وجدانياً : يحرك الحنين ، الطفولة ، الحب غير المشروط. بعداً صوفياً : فهي تشبه الذات الإلهية في العطاء والستر والخلق. وبكل محبة كتبت هذه المقطوعة النثرية ذات النزعة الصوفية والتي بزغ نورها من العبارة العظيمة التي اتحفنا بها الحسين بن خليل : الأم ليست من طين الأرض، بل من أثرٍ تسرّب من قلب الله حين فاض بالحب، فتجلّى في هيئة امرأة. لم تُخلق لتُفهم، بل لتُؤمن بها كما تؤمن بالغياب الذي يظل يحنو، حتى دون أن يرى. هي المجنونة التي وافقت أن تحبّنا قبل أن نكون، وتبكي منّا بعد أن نمضي. تخبئنا في دعاء لا تسمعه سوى السماء، وترى في تعبنا ما لا يراه أحد كأنها خلقت من نور عرف الحزن ، وقرر أن يضمه ليُبقيه حيا بلا وجع. في حضنها… تسقط الأسماء ، وتبقى الكينونة، هي العارف الأول بنا والراهب الذي لا يسأم العبادة. وحدها… تفهمنا بالصمت، وتغفر كما لو أن الغفران دينها، والحب مذهبها.


