أولاً : كشَفَ العدوان في يومه الأول عن إختراق صادم وكبير ونوعي ، بحيث أنَّ الأجهزة الإستخبارية للعدو – وبمعونة دول عظمى وحكومات خليجية ، وحكومة إقليمٍ – استطاعت أنْ تجند أعداداً كبيرة من العملاء ، وزودتهم بأجهزة تجسس متطورة جداً ، وبطائرات مُسيّرة هجومية وانتحارية ، وبصواريخ للتدمير والقتل ، ومعظم القادة والعلماء الذين أُستشهدوا ، ومعظم الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي التي دُمّرت في اليوم الأول للعدوان ، كان على أيدي هؤلاء العملاء !
ومن الواضح أنَّ مثل هذا الإختراق بهذا الكم والكيف هو نتاج عمل لسنين .
وهو أمر يكشف عن خيانة وتواطئ وإهمال وترهل في الإجهزة الإستخبارية للدولة الإسلامية .
وعلى الجمهورية أنْ تقف طويلاً وبهدوء لمعالجة ذلك قبل أي شيء آخر .
وربَّ ضارّة نافعة ، فلعل العدوان كشف عن مستوى هذا الإختراق قبل أنْ يصل الأمر الى مرحلة الإنقلاب الذي يُسْقط كلّ شيء .
ثانياً : كشفَ العدوان بأيامه الإثني عشر عن عدم وجود حليف موثوق به للدولة الإسلامية ، إذ كانت تقاتل لوحدها ، فلابد أنْ تضع في حساباتها أنّها ستبقى وحيدة فيما لو تعرضت لعدوان آخر لا سمح الله .
وثالثاً : كشف العدوان عن وجود خلل جسيم ونقص هائل في أنظمة الدفاع الجوي ، فما قام به العملاء من استهداف لبعض تلك الإنظمة لايبرر هذا النقص القاتل ، وكان على المختصين أنْ يضعوا كل الإحتمالات في الحساب ، وأنْ يكون هناك بدائل لما يتم تدميره .
هذا من جانب .
أمّا من جانبٍ آخر :
فأولاً : كما كشف العدوان عن وجود خونة حتى من أصحاب مواقع في السلطة ومستفيدين منها ، كشف عن مواقف نبيلة من معارضين كانوا شديدين في معارضتهم للنظام ، مع ذلك أعلنوها صريحة – وبعضهم من السجن كمحسن كديور – بأنَّ خلافهم مع السلطة شأن داخلي بين الإيرانيين ، لكن عندما يتعرض الوطن للعدوان فإنّهم يقفون مع المدافعين عنه ، ففرق كبير بين أنْ تكون معارضاً للسلطة وبين أنْ تكون خائناً للوطن .
ثانياً : حرس الثورة هو الذي تحمل الثقل الأكبر في هذه المعركة ، وليس من المجازفة القول بأنّه – بعد الله سبحانه ووجود القيادة الحكيمة والشجاعة – لولا الحرس لكانت الأمور في إتجاه آخر .
وهذا درس لنا في العراق يدعونا لعدم التفريط بالحشد بعد تقويمه وإصلاح الثغرات فيه .
ثالثاً : النقطة المضيئة الكبيرة التي ألهمت كل متابع منصف ، هي وجود القائد الحكيم والشجاع والحازم ، السيد الخامنئي ( أطال الله في عمره وأدام نعمة وجوده ) ، حيث كان مصداقاً واقعياً لمقولة جدّه الإمام الحسين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) ونحن نستقبل أيام ثورته المباركة :
( إنَّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذّلة ، وهيهات منّا الذلّة ) .
و ( والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ) .
ورابعاً : إنَّ العدو قد حدّد أهدافاً لعدوانه ، أهمها ثلاثة :
- تدمير المنشئات النووية .
- تدمير الصواريخ الباليستية .
- منع ايران من دعم حركات المقاومة .
وفشل العدو في تحقيق الهدفين الثاني والثالث ، وهناك شك في نجاحه في تحقيق الهدف الأول من تلك الأهداف .
بل القرائن تدل في نجاح الجمهورية – على الأقل – في نقل اليورانيم المخصّب لأماكن آمنة .
ولو تنزلنا وقلنا بنجاح العدو في تدمير المنشئات وما تحتويه تدميراً كاملاً ، فما دامت الهمّة والإرادة والعقول موجودة فستُبنى مرة أخرى إنْ شاء الله .
ويكفي الجمهورية الإسلامية نصراً وفق الحسابات الإستراتيجية أنَّ العدو لم يحقق أيّاً من أهدافه أو أهمها على الأقل .
فكيف إذا كانت صواريخ الدولة الإسلامية قد أمكنها الله سبحانه من تدمير مواقع استخبارية وعسكرية في غاية الأهمية وفي عمق مدن العدو ، بل وأذلت كبرياءه ، بنحو لم يحصل له مثل ذلك منذ زرعته بريطانيا في أرض فلسطين قبل ( 77 ) عاماً ؟!
ولكن ..
في عهده لمالك الأشتر كتب أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام :
( وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّ كَ لله فِيهِ رِضىً ، فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً [ أي : إستراحة ] لِجُنُودِكَ ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ ، وأَمْناً لِبِلاَدِكَ ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكِ بَعْدَ صُلْحِهِ ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ [ أي : أنَّ العدو ربّما تظاهر لك بالصلح لتغفل عنه فيغدرك ] فَخُذْ بِالْحَزْمِ ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ ) .
اسأل الله سبحانه أنْ يحفظ الدولة الإسلامية وقائدها ، وأنْ يحفظ المؤمنين والمجاهدين بحفظه ويحيطهم بعنايته ، وأنْ ينصرهم بنصرٍ من عنده ، إنّه نعم الناصر المعين .


