وسأنقلها على حلقات :
الحلقة الثانية :
[ بلسم الروح ]
بُنيّ :
طالع سورة الحشر المباركة ، فإنّ فيها كنوزاً من المعارف التربوية ممّا يستحقّ أنْ يمضي الإنسان عمراً بحاله يتفكّر فيها ، ويتزوّد بالمدد الإلهي منها بأنواع الزاد ، وخصوصاً آياتها الأواخر حيث يقول سبحانه وتعالى :
﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ .
ففي هذه الآية الصغيرة في لفظها ، البالغة العمق في معناها ، احتمالات بنّاءة نشير إلى بعضها : …
يمكن أنْ تكون الآية خطاباً لأولئك الذين أوصلوا الإيمان إلى قلوبهم .
فما أكثر ما يكون الإنسان مؤمناً معتقداً بالشهادتين في ظاهره ، إلّا أنّ قلبه بعيد عن ذلك ، أو يكون عالماً معتقداً بأصول الدين الخمسة ، إلّا أنّ هذا العلم لم يصل إلى قلبه ، ولعلّ الجميع هم كذلك عدا الندرة من خواصّ المؤمنين .
والسبب في ارتكاب بعض المؤمنين لبعض المعاصي هو هذا ، فلو تيقّن القلب بيوم الجزاء والعقاب وآمن به ، فمن المستبعد جدّاً التمرُّد وإرتكاب المعصية .
كما أنّ القلب إذا آمن بعدم وجود إله غير الله فإنّ الإنسان لن يتوجّه إلى غير الحقّ تعالى ، ولن يحمد سواه ، كما لن يعتريه خوف أو خشية من غيره تعالى .
بُنيّ :
أرى أنّك تُظْهِر الإنزعاج والقلق أحياناً من التهم الباطلة والشائعات الكاذبة .
لذا وجب أنْ أقول لك أولاً :
بأنّك ما دمت حيّاً تُرزق وما دمت تتحرّك وذا تأثير بنظر الآخرين فلا مناص من توجّه الانتقاد والتهمة والشائعات المختلفة نحوك .
فالعقد كثيرة والتوقّعات متزايدة والحسد كثير .
مَن كان له دور فاعل حتى إذا كانت فعاليته خالصة لله ، لن يمكنه تفادي تجريح أصحاب الأهواء السيئة .
أنا شخصياً أعرف عالماً تقياً جليلاً ، لم يكن يُذكَر – قبل تسلُّمه منصباً بسيطاً – إلّا بالخير – نوعاً ما – وكان أهل العلم وغيرهم سِلْماً له تقريباً ، حتى إذا توجّهت إليه النفوس ، وحصل على مكانة دنيوية – ولو أنّها لا تكاد تذْكَر بالنسبة إلى علو مقامه المعنوي – أصبح هدفاً للتهمة والأذى ، وتأجّجت نيران الحسد والعُقَد بألوان مختلفة وظلّ حاله هكذا إلى آخر عمره .
كما يجب أنْ تعلم ثانياً :
أنَّ الإيمان بوحدة الإله ووحدة المعبود ووحدة المؤثِّر لم يلج قلبك كما ينبغي
ابذل الجهد لتصل ” كلمة التوحيد ” – التي هي أعظم وأسمى جملة – من عقلك إلى قلبك ، فإنّ حظّ العقل لا يعدو ذلك الإعتقاد البرهاني القاطع ، الذي إنْ لم تصل نتيجته إلى القلب بالمجاهدة والتلقين فإنّ أثره وفائدته يكاد أنْ لا يذكَر .
وما أكثر ما يكون البعض من أصحاب البرهان العقلي والإستدلال الفلسفي أشدّ عرضة من غيرهم للوقوع في شراك إبليس والنفس الخبيثة .
” أرجل الإستدلاليين خشبية “
[ صدر بيت من الشعر للشاعر مثنوي وعجزه ” والأرجل الخشبية لا يقرّها قرار “] .
ولا تتبدّل هذه الخطوة البرهانية والعقلية بخطوة روحانية وإيمانية ، إلّا حين انتقالها من أفق العقل إلى مقام القلب ، وقبول القلب بما أثبته الإستدلال عقلياً .
بُنيّ :
عليك بالمجاهدة لتُسلِم قلبك بين يدي الله ، فلا ترى بعد ذلك مؤثّراً سواه ، وإلّا أفلا يُصلّي عامّة المسلمين المتعبّدين عدّة مرّات في اليوم والليلة – وهي الصلاة وما تزخر به من التوحيد والمعارف الإلهية – ويقولون في اليوم والليلة عدّة مرّات :
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فيخصّون الله تعالى قولاً بالعبادة والإعانة ، إلّا أنّهم يتذلّلون لكلّ عالم أو قوي أو ثري ويعاملونهم أحياناً بما لا يعاملون به حتى المعبود ، ويستعينون بأيٍّ كان ويستمدّون منه العون ، ويتوسّلون بكلّ تافه في سبيل تحقيق مقاصدهم الشيطانية غافلين عن قدرة الحقّ ، ولا يُستثنى من ذلك سوى ثلّة من المؤمنين حقّاً وخواصّ الله .
وبناءً على احتمال أنّ الخطاب موجّه إلى الذين بلغ الإيمان قلوبهم ، فإنّ الأمر بالتقوى يختلف عنه في الاحتمال الأول .
[ تكلم فيه عن تجسيم الأعمال ، حذفته إختصاراً ]
فهذه التقوى ليست اتقاء الأعمال غير اللائقة ، بل هي التقوى عن التوجّه إلى الأغيار ، تقوى عن استمداد من غير الحقّ ، وعن العبودية لغيره ، تقوى عن فسح المجال لغيره جلّ وعلا إلى القلب ، تقوى عن الإتكال والإعتماد على غير الله .
وهذا الذي ترى أننا وأمثالنا مبتلون به ، والذي يبعث في نفسي ونفسك الخوف من الشائعات ونشر الأكاذيب ، أو الخوف من الموت وإسلام الروح والتحرُّر من رقّ الطبيعة ، إنّما هو الذي يجب الإتقاء منها …
بَيْدَ أنّ هذا لا يعني أنْ تترك الحركة والسعي وتُصبح مهمِلاً ، وتختار العزلة عن كلّ شخص وكلّ شيء ، فهذا خلاف السنّة الإلهية وسيرة الأنبياء العظام والأولياء الكرام ، فقد بذلوا عليهم السلام كلّ ما في وسعهم في سبيل تحقيق الأهداف
الإلهية والإنسانية ، إلّا أنّهم يختلفون عنّا نحن عمي القلوب في اعتمادنا على الأسباب على نحو الاستقلال ، فهم يعتبرون
كلّ الأمور في هذا المجال منه جلّ وعلا ، وهذا الإدراك إنّما هو أحد مقاماتهم العادية .
إنّهم يرون الإستعانة بأيّ شيء ، استعانة بالمبدأ [ الله سبحانه ] ، وهذا أحد الفوارق بينهم وبين الآخرين .
أنا وأنت وأمثالنا حينما نعتمد على الخلق ونستعين بهم ، فإنّنا نكون حينها غافلين عن الحقّ تعالى .
أمّا هم فيرون هذه الإستعانة بالآخرين استعانة به تعالى في الواقع ، وإنْ كانت في صورة الإستعانة بالأدوات والأسباب ، كما أنّهم يرون ما يقع لهم من حوادث منه تعالى ، رغم أنّ الأمر في الظاهر عند أمثالنا غير ذلك .
ومن هنا كان وقع الحوادث حلو المذاق على أرواحهم ، وإنْ كان مرّاً في نظرنا .
*نفحات ملكوتية ، قبس من وصايا الإمام الخميني المعنوية والسلوكية ، رسالة بعنوان : ( بلسم الروح ) ، إعداد مركز نون للتأليف والترجمة ، الناشر : جمعية المعارف الإسلامية الثقافية .
[ لها تتمّة ]


