تُعدّ العلاقة بين النخب السياسية والانتماء الوطني من أبرز التحديات التي تواجه الدول في أوقات الأزمات. وفي ظل تصاعد التهديدات الإقليمية والدولية، يظهر الفرق جليًا بين من يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ومن يجعل الصراع السياسي وسيلة لتقويض أسس الدولة. يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على نموذجين متباينين في التعامل مع مفهوم الوطنية في لحظات الخطر: التجربة الإيرانية التي أظهرت تماسكًا داخليًا رغم الخلافات، والتجربة العراقية التي عانت من انقسامات نخبها، ما أثر سلبًا على وحدة الصف الوطني. وبهذا، يناقش المقال إشكالية مركزية مفادها: كيف يتقدم الوطن في الوعي الجمعي عند البعض، ويتراجع في حسابات البعض الآخر؟
من المعروف أن النظام السياسي في إيران يواجه معارضة داخلية من قطاعات واسعة من الشعب، حيث لا يندر أن يسمع الزائر انتقادات حادة من المواطنين العاديين، ومن النخب الثقافية والفكرية. وقد دفع هذا الواقع ببعض الإيرانيين إلى مغادرة بلادهم والعيش في الخارج. ومع ذلك، يلاحظ المراقب وجود فارق جوهري في سلوك المعارضة الإيرانية، يتمثل في قدرتها على التمييز بين معارضة النظام السياسي، والولاء للوطن الأم.
لقد برز هذا التمييز بصورة لافتة خلال الاعتداء الإسرائيلي الأخير على إيران، حيث شهد العالم حالة من التلاحم الوطني بين جميع فئات الشعب الإيراني، سواء من كانوا في الداخل أو في الخارج. ورغم اختلافاتهم السياسية والفكرية مع الحكومة، فقد التفت هذه الفئات حول القيادة في موقف وطني موحد للدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية. وفي لحظة فارقة، تلاشت الانقسامات، وتقدمت روح الانتماء على أي اعتبار آخر.
إن هذا الموقف يكشف عن عمق التجربة الوطنية الإيرانية، ويقدم نموذجًا مهمًا في كيفية إدارة التباينات السياسية دون المساس بثوابت الدولة ووحدتها. لقد أثبت الشعب الإيراني أن الخلاف مع النظام لا يعني السماح بالعدوان أو التواطؤ مع أعداء الوطن. بل إن المواقف الوطنية تتجلى في أحلك الظروف، حين يصبح الوطن فوق كل اعتبار.
في المقابل، وعلى مسافة جغرافية قريبة من إيران، يعيش العراق تجربة مختلفة تتسم بالتعقيد والتحديات المتراكمة. فقد برزت في فترات معينة فئات سياسية تعاملت مع التغيير السياسي في العراق بمنطق لا يراعي مصلحة الدولة، بل انخرط بعضها في تحالفات خارجية، تمخض عنها نتائج مؤلمة على صعيد البنية الوطنية والمجتمعية. وقد شهدنا، للأسف، حالات تعاون مع قوى أجنبية، ليس بدافع الإصلاح، بل ضمن مشاريع هدفها إسقاط النظام السياسي القائم بأي ثمن، حتى لو أدى ذلك إلى تمزيق الوطن وتعريضه للانهيار.
ولا شك أن النظام السياسي السابق في العراق كان موضع انتقاد ومعارضة داخلية وخارجية، لكن الرد على ذلك لا يمكن أن يكون عبر استدعاء التدخلات الأجنبية أو القبول بتدمير البنية التحتية لدولة عمرها آلاف السنين. فالمعارضة التي تتحول إلى أداة في يد الخارج، وتُسهِّل له التدخل، تتجاوز حدود الخلاف السياسي، إلى تهديد مباشر للوطن بأكمله.
لقد شارك بعض الذين عادوا إلى العراق بعد سنوات من الغياب، في ترتيبات ما بعد التغيير، وساهموا في صناعة المشهد السياسي الجديد. لكن عوضًا عن بناء دولة قوية ومتماسكة، انزلقت بعض القوى نحو تكريس المصالح الحزبية والشخصية، في مشهد اتسم بالإقصاء والمحاصصة، وأسفر عن تفاقم الأزمات، بدلًا من حلها. وتسببت بعض السياسات، عن قصد أو غير قصد، في تكريس التمييز بين المواطنين، وتقسيم المجتمع إلى فئات داخلية وخارجية، ما أضعف روح المواطنة وعمق الانقسام.
لا يمكن إنكار أن جزءًا من هذه النخب تبنّى خطابًا متناقضًا، فبينما يتحدث عن الوطنية والانتماء، فإنه لا يتردد في طلب الدعم الخارجي أو تبرير الفوضى التي أعقبت الاحتلال، متجاهلًا الأثمان الباهظة التي دفعها العراقيون نتيجة ذلك. ولا يخفى أن البعض وجد في المناصب والمكاسب وسيلة للتعويض عن فترات الغياب، فغابت الأولويات الوطنية، وحضرت الحسابات الضيقة.
وبالمقارنة مع النموذج الإيراني، يظهر الفرق واضحًا في سلوك النخب عند الأزمات. فبينما يقدم الإيرانيون مثالًا على وحدة الصف عند التهديد الخارجي، نجد أن بعض النخب العراقية فشلت في تجاوز الخلافات، بل وأسهمت أحيانًا في تأجيج الأزمات الداخلية، بدلًا من التوحد لحماية الوطن.
ما يحتاجه العراق اليوم هو معارضة وطنية ناضجة، تضع مصلحة البلاد فوق الانتماءات الضيقة، وتعمل ضمن الأطر الدستورية، لا خارجها. إن الوطنية لا تقاس بالشعارات، بل بالمواقف التي تصون سيادة الدولة وتحفظ كرامة شعبها. ولعل من المفيد استحضار التجارب الإقليمية لا من باب المقارنة السطحية، بل للاستفادة من الدروس، وبلورة مشروع وطني جامع يعيد الثقة بالدولة، ويعزز الانتماء.
إن بناء الوطن لا يكون بالتهديم، ولا بالإقصاء، بل بالحوار والشراكة والولاء للتراب الذي ننتمي إليه. والعراق، الذي قدّم الكثير، يستحق من أبنائه أن يكونوا على قدر المسؤولية، وأن يتعلموا من تجارب غيرهم كيف تُبنى الأوطان، لا كيف تُهدّم.
تُظهر التجربة الإيرانية أن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بمدى التأييد للنظام السياسي، بل بالقدرة على توحيد الصفوف عندما يُهدد الوطن من الخارج. وفي المقابل، كشفت الحالة العراقية عن خلل بنيوي في نظرة بعض النخب إلى الدولة، حين تحوّلت الخلافات السياسية إلى أدوات استقواء بالخارج، أضعفت السيادة الوطنية، وعمّقت الانقسامات. إن اللحظة التي يُقدَّم فيها الوطن على النظام هي اللحظة التي تتمايز فيها المشاريع الوطنية عن الأجندات الشخصية. وما يحتاجه العراق اليوم هو مراجعة جادة لمسار معارضته السياسية، وتجديد مفهوم الوطنية كقيمة تتجاوز الخلافات، وتبني مشروعًا وطنيًا جامعًا يحفظ للدولة كيانها، ولشعبها كرامته.


