يقول أحدهم، وهو عديدٌ، أو هو مفردٌ في صيغة جمعٍ تكاثر لأسباب ودوافع عديدة ومتنوِّعة، وقابلة للتمحيص والتَّبيُن: “أكره إيران، وأحبُّ أنْ تُضْرَبَ إسرائيل”.
وإني لأحسبُ، تعقيباً على هذا القول بشتَّى ردائفه وموازياته وصيغه اللَّفظية المُتَحَوِّلة، أنَّ وضعه كقولٍ يعكسُ موقفاً يتوزَّعُ بين كُرهٍ متنوع الدرجات، ورغبةٍ انتقاميَّة عارمة: كرهٍ محفَّزٍ بثأر شخصيٍّ أو جمعيٍّ، ورغبة عارمة في انتقامٍ حاسمٍ يتوخى نفي وُجُودٍ الكيان الصهيوني نفياً جذرياً عاجلاً يتأسس على الانتقام الثأري الحضاري التاريخي المُسَوَّغ سياسياً وقانونياً وإنسانياً من هذا الكيان الاستعماريّ المصطنع لسرقته وطناً هو فلسطين، واستلابه تاريخ وحضارة وحياةٍ شَعْبٍ، هو الشعب الفلسطيني، في سياق صراعيٍّ أوسع، إنما يلزمنا بتعميق التَّبصُّر في شتى مندرجاته وجوانبه، وذلك على نحو يُملي علينا السَّعيَ لإدراك أعمق وأشمل لمكوناتِ اللَّحظة التاريخيَّة الراهنة، ولتبَيُّنِ شروطها الإيجابيّة التي تجعلها مواتيةً لتوجيه هذا الصراع نحو إحداث تغيير جذريٍّ لصالح الإنسانية الجوهرية، والتي يبدو أنها شروطٌ قد نضجت، علئ نحو أسسَ صوابية، وإنسانيَّة، اختيار الانحياز القاطع لتلبية دوافع ومُؤَسَّساتِ اتِّخاذ موقف التضافر الإنسانيِّ، الفردي والجمعيِّ، الحاسم والقاطع، مع الباسلة “إيران” في دعمها النبيل للمقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمنية الباسلة، وفي مواجهتها للتَّوحش البشري الصهيوني الأمريكي الذي يتفوق الآن، وبقدر منقطع النظير، على توحش المخلوقات الحيوانية الديناصورية الجشعة المفترسة.
ولإقامة التمييز الجوهري بين “إيران” النظام السياسي الحاكم الذي تريد إسرائيل وأمريكا له أن يكون نظاماً سياسياً وظيفياً تابعاً للصهيونية، على غرار عديد من “الأنظمة العربية” المُسالمة، والمُصالحة، والمُذعنة، والمُطَبِّعة، والإبراهيمية، والوظيفية العميلة، وضمنها نظام “عائلة الأسد” الذي تم إبداله مؤخراً بنظامٍ وظيفيٍّ ناتويٍّ داعشيٍّ متصهينٍ يُماثله، وإيران الشعب النبيل والتاريخ والحضارة المشرقيين الإنسانيين العريقين، أنْ يُعزِّز صوابية هذا الموقف ويُؤكد صدقيته، ونبله وسموَّه، و”إنسانيته الجوهرية”، فلا يكون أيُّ موقف مُغاير، حتَّئ لو كان حيازياً إلا موقفاً داعماً للهمجية التوحشية البشرية مُجسَّدة في “أمريكا” و”إسرائيل”، ومعادياً للإنسانية الجوهرية، وللتاريخ والحضارة الإنسانيين) فلنتأمل الأمر، ولنحترم لأنفسنا ما يختاره الوعي الإنساني الناضج الرصين، والوجدان الإنسانيِّ الصَّافي!
وإنِّي لأرى، في هذا السياق، أنَّ رفض النظام الجمهوري الإسلامي الحالي في “إيران”، رفضاً مبدئيَّاً ومطلقاً، وجود المستعمرة “إسرائيل” في “فلسطين” ووقوفه ضدَّ استمرار هذه المستعمرة في سعيها الاستعماري التوحشي المستجيب لتكليفات الصهيونية الرأسمالية العالمية والمدعوم باستمرار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلف “الناتو” الاستعماري العدواني، للتمدد الجغرافي والسياسي في العالم عبر احتلال بلاد الشرق بأسره، وإقامة “إسرائيل التوراتية الكبرى” تمهيداً لإحكام الهيمنة الصهيونية الرأسمالية على موارد ومقدرات العالم بأسرة، وعلى مصائر شعوبه، إنما هو الدافعُ الأساس، والمبدأ الإنسانيُّ الحفَّاز، لوقوف كل إنسان إنسان مع “إيران” الشعب والتاريخ والحضارة والدَّولة، التي اختارت الوقوف، بحزم قاطعٍ لا رجعة فيه، مع فلسطين: وطناً، وأرضاً، وحضارةً، وتاريخاً، وشعباً، وفي صفِّ الإنسانية الجوهرية في مواجهتها المفتوحة مع التوحش البشري الصهيوني الأمريكي الناتوي الاستعماري الإيادي الذي لم يزل يستهدف شتي بلاد العرب والعجم مشرقاً ومغرباً، وفي مقدمتها جميعاً سوريا، ولبنان، والأردن، والعراق ومصر، وربما تركيا إنْ تطابقت مواقف وتصرفات حكومتها (الناتوية لشديد الأسف) مع خيارات الشَّعب التركي المُناهض للناتوية، والرافض بحسم قاطع، الاحتلالَ الصهيوني لأراضي “دولة فلسطين” الموسومة بالقداسة: “فلسطيين”، وإبدال كيانٍ استعماري غاصبٍ يدعونه: “دولة إسرائيل”، إبدالاً كُلِّيَّاً بها، لا يستقيم تحقيقه إلا بتهويدها وصهينتها وإبادة شعبها عبر سُبُلٍ ووسائل توحشية إجرامية عديدة
وثمة، دليل إضافي على صوابية رأينا وصحة الموقف الذي نتخذه وندعو للاقتداء به، وذلك في اختيار الأعم الأغلب من قوى المعارضة السياسية والاجتماعية والآيديولوجية الإيرانية وأحزابها الوقوفَ، بحسمٍ قاطعٍ، مع الحقِّ في مواجهة الباطل، ومع الحرية في مواجهة الاستبداد، ومع الحياة الكريمة في مواجهة الإذلال الحياتي والموت في الحياة، وذلك بوقوفها المبدأي الحاسم مع وطنها “إيران”، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي الآيديولوجي الذي يحكمه، وعن تعدد مكونات شعبه وطوائفه ومذاهبه وأعراقه ولغاته، وذلك في مواجهته المفتوحة، كوطن مشرقيٍّ إنسانيٍّ واحد، وشعب مُتعاضد ملتحم، وثقافة حضاريةٍ إنسانية ذات جذور مشرقية عميقة وفروع وغصون وانفتاح على صيرورة الحياة والمستقبل، للعدوان الصهيوني الإسرائيلي الأمريكي الناتوي الغاشم الذي تشنه الممستعمرة “إسرائيل” مدعومةً من دول وكيانات غربية استعمارية همجيَّة متوحشة، لا تنتمي للشرق بقدر عدم انتمائها للإنسانية، ومن كيانات سياسية وظيفية عربية تمت صهينتها، أو تم تسخيرها، بأجر رخيص، لخدمة صُنَّاعها وحماتها الصهاينة الرأسماليين الجشعين التوحُّشيين الاستعماريين العنصريين الأنجلوسكسونيين.

