الشرق الاوسط واسرار الهيمنة

الشرق الاوسط واسرار الهيمنة
يحلل الكاتب سياسة "الفوضى الخلاقة" كأداة أمريكية–إسرائيلية لتفكيك الشرق الأوسط، مستعرضًا كيف استُهدفت دول المقاومة من العراق إلى فلسطين. ويؤكد أن العدوان على إيران ليس النهاية، بل فصل خطير في مشروع الهيمنة الشاملة، داعيًا حلفاء إيران للتحرك قبل أن تُستهدف الدول تباعًا...

هنالك سؤال لطالما طرح نفسه في العقدين الاخيرين لماذا الشرق الاوسط وحده دون غيره من مناطق العالم الاخري دائما ما يتفجر ويتحول الي اشلاء نتيجة للحروب والازمات والصراعات الساخنة، ولماذا التدخلات الخارجية سواء اكانت مسلحة اوغير مسلحة من القوى الخارجية تتآمر عليه ولا تريد لمجتمعاته سوي الدمار. علما بأنها المستفيد الاكبر من موارده الاقتصادية والطبيعية وثرواته المالية التي تملئ خزائنها وتساعدها في التغلب علي مشكلاتها وازماتها ؟

لماذا الشرق الاوسط المنطقة الوحيدة التي اخترعوا لها في امريكا منذ اكثر من عقدين نظرية تآمرية لا يكشف ظاهرها عن حقيقتها المخيفة وسمت بنظرية الفوضي الخلاقة ؟ والتي تقف وراءها واحدة من اخطر الرؤوس الامريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي .انها كوندوليزا رايس مستشار الرئيس الامريكي جورج بوش الابن للامن القومي قبل ان تصبح بعدها وزيرة خارجيته والتي انتجت الكثير من الافكار وكان الشريكان الامريكي والاسرائيلي هما المستفيدين منها والداعمين بطبيعة الحال ولان كل خراب المنطقة العربية والاسلامية يصب لصالحهما، فهي النظرية التي وصل تطبيقها ذروته حاليا من فوضي ودمار وعنف في كل مكان ليمهد لما سوف ياتي بعده من كوارث مع تفاقم النتائج وتدهور الاوضاع ،وهو ما ارادته رايس ومن هم علي شاكلتها في الادارات الامريكية التي تعاقبت علي البيت الابيض ، فالشرق الاوسط رغم تعاقب الادارات من جمهورية وديموقراطية ورغم اختلاف اشخاص الرؤساء والوزراء الذين يعملون معهم يبقي هو المستهدف اكثر من اي منطقة اخرى في العالم، وتبقي الاسلحة والوسائل التنفيذية لهذا المخطط التآمري الكبير هي نفسها لم ولن تتغير.. وهذه هي الادارة الاميركية علي حقيقتها فهي تأخذ من هذه المنطقة ما تأخذه او تنهبه من ثروات تفوق الحصر والخليج أنموذجا ولا يمكنها ان تجد بديلا لها في اي مكان آخر في العالم وما تدفعها لهذه المنطقة بالمقابل هو الدمار والحروب .

كان منهج الفوضى الخلاقة هو تفكيك مجتمعات الشرق الاوسط من داخلها بخلخلة مكوناتها الاساسية ، وذلك لم يكن الا باستخدام العنف والارهاب والحروب الداخلية والقبلية والمذهبية والاثنية لتحقيق نتائج منهج الفوضى الخلاقة، وترك تلك المجتمعات تنهار الواحد تلو الآخر لتدخل بعدها في مرحلة اعادة تركيبها وفق المعايير والمواصفات الامريكية، وهو ما قد يستغرق وقتا طويلا او قد لا يحدث علي الاطلاق ولتبقي علي حالها من الانهيار والضياع. كانت البداية من العراق عند غزوه واحتلاله ليدمر جيشه ومؤسساته المركزية التجارية والصناعية، فأزالوا الحكم البعثي الدكتاتوري البائد بنظام حكم لا صورة له ولا شكل ، حتي يتحول العراق بهذا المخطط الجديد تتعدد فيه الولاءات والانتماءات وليغيب معهما مفهوم الوطن والمواطنة وليغرق العراق بعدها في ازماته الداخليةمن فساد وارهاب ، الا ان العراقيين استطاعوا بفضل الله ومرجعيتهم الدينية الرشيدة وقوة وعيهم من اسقاط المؤامرة التي استهدفت تدمير مجتمعهم بنظرية الفوضي الخلاقة تحت شعار التحول الديموقراطي والصراع ضد الدكتاتورية والا لاصبح العراق مقسم عرقيا واثنيا وطائفيا قبل ان يمزق جغرافيا ..

وتحت شعار الديموقراطية وحقوق الانسان، دمروا لسوريا امنها ووحدة اراضيها وانهكوا لها اقتصادها، وعزلوها وحاصروها واغرقوها في مستنقع الفوضي والعنف والارهاب وافقدوها معالمها العربية التي كانت واحدة من ابرز سماتها وهكذا ارادوا لليمن التي لولا الحوثيين لكانت في خبر كان كغيرها ،وكان لهم في غزة التي احالوها الى ركام لا يمكن ان يعاد ترميمه واليوم يطرح مشروع التهجير وشراء ارضها من الادارة الأمريكية لتحويلها لمنتجع يجاور الكيان اللقيط لحفظ امنه وسلامته ،ومن بعدها لبنان التي فقدت عمودها الفقري ومرتكزها الاقوى السيد نصر الله رحمه الله ومحاولتهم عزل حزب الله عن لبنان وشعبها ونزع سلاحه .

وبما انه لم يتبقى من قوى الممانعة او محور المقاومة ان صح التعبير غير ايران ولان نظامها يعد اكثر رصانة وصلابة من بقية النظم السياسية في المنطقة وهو صاحب المشروع فقد حاولت اميركا واسرائيل من جعله اخر فصل في رواية الفوضى الخلاقة بعد ان استطاعت من تحييد اغلب خطوط هذا المحور عن خارطة الطريق التي رسمتها في منهجها والذي يعتقد البعض انه فقط لغايات سياسية وهو من نسج خيال رسمته الادارة الاميركية في عقولهم بل ان المشروع اوسع واشمل فهو برنامج اقتصادي جيوسياسي يهدف الى الهيمنة بقدر اكبر على مقدرات المنطقة وجعلها تابعة لادراة الكيان سواء بالتطبيع اوفرض الهيمنة المطلقة ، ومن هنا فأن ما حصل خلال الاسبوع الماضي من عدوان اسرائيلي على ايران وبطريقة مباغته بالرغم من انغماس ايران في عملية مفاوضات مع ادارة ترامب الا ان المفاوضات كانت خدعة اميركية لكسب الوقت لصالح كيانها اللقيط في المنطقة ولولا ان ايران دولة مؤسسات وتمتلك من القيادات البديلة من يستطيع ملئ مكان من استشهد في العملية الاجرامية لكانت الامور سائرة الى ما لايحمد عقباه واليوم وبعد مرور اكثر من اسبوع على العدوان الصهيواميركي على ايران نشاهد ان الكيان اصبح يستجدي التدخل الاميركي لفشل قبته الحديدية وما يساندها من قواعد اميركية وفرنسية والمانية وبريطانية في المنطقة من اعتراض للضربات الصاروخية لايران والتي كلفت الكيان الكثير وألبت شارعه عليه ولان من يسكن في الكيان هم في جلهم من مزدوجي الجنسية ولا بقاء لهم في الكيان من غير امان نلاحظ الهجرة العكسية بدات خلال الايام الماضية وهو الامر الذي دعى بنتنياهو ان ينطلق في رحلة التحشيد والطلب من لوبي اسرائيل في اميركا لدعه ومهجامة ايران وجر المنطقة الى حرب عالمية ثالثة ، وهنا يجب ان نتطرق الى ان حلفاء ايران وان تخلوا عنها الا ماندر منهم فأنها مازالت تخوض الحرب بقوة بالرغم من شراسة الهجمة وحققت مالم تستطيع أي قوة تحقيقه في حرب الموجهات مع اسرائيل وهو الامر الذي ينذر حلفائها سواء في محور المقاومة او خارجه بضرورة التحرك والوقوف معها لان اللعبة لم تنتهي بنهاية ايران لا سامح الله بل سيكون الدور على البقية تباعا وبلا استثناء.

وهنا وقبل ان اصل الى نهاية مقالي اطرح السؤال مرة اخرى وبالصيغة نفسها  لماذا لم نشهد مثل هذا السيناريو في مناطق اخرى مثل اسيا او اقريقيا او اميركا اللاتينية او اي مكان آخر في الكرة الارضية ؟ لماذا اختصوا الشرق الاوسط ، حتي وان كان الطريق اليه مفروشا ببساط احمر  من الدماء وبكل هذه الانقاض وبطوفان من النازحين والمشردين في كل مكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *