الكتلة الأكبر… الإشكال الدستوري الذي يعطل النظام السياسي في العراق

الكتلة الأكبر... الإشكال الدستوري الذي يعطل النظام السياسي في العراق
ينتقد النص تفسير “الكتلة الأكبر” في العراق، معتبراً إياه سبباً للانسداد السياسي وتجاهل إرادة الناخبين، ويدعو للعودة إلى مبدأ فوز الأعلى أصواتاً لتشكيل الحكومة كحل لإنهاء الأزمات المتكررة....

في كل ديمقراطيات العالم قاعدة بسيطة وواضحة تحكم العملية السياسية من يحصل على أعلى الأصوات في الانتخابات هو من يشكل الحكومة. لكن العراق وحده خرج عن هذه القاعدة في سابقة خطيرة لم تحدث في أي دولة أخرى. ففي انتخابات عام 2010 حصل إياد علاوي على 91 مقعداً متفوقاً على نوري المالكي الذي حصل على 89 مقعداً لكن المالكي أصر على تفسير مغاير أن من يشكل الحكومة ليس الفائز بأعلى الأصوات بل “الكتلة الأكبر” التي تتشكل تحت قبة البرلمان بعد الانتخابات. والمفارقة المرة أن المحكمة الاتحادية أيدت هذا التفسير فاجتمع الفاشلون في الانتخابات ليشكلوا كتلة نيابية أكبر ويستأثروا بحق تشكيل الحكومة بينما صمتت كل القوى السياسية على هذه السابقة.

منذ ذلك الحين والعراق يعاني من أزمة سياسية بعد كل انتخابات فهذا التفسير الخاطئ لم يعد مجرد خلاف قانوني بل تحول إلى عائق متكرر يعطل العملية السياسية. رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان في مقال سابق وضع يده مؤخراً على موطن الخلل عندما أكد أن الحكومة يجب أن تشكلها الكتلة الحاصلة على أكبر عدد من الأصوات وليس تلك التي تتشكل من تحالفات داخل مجلس النواب. هذا التصحيح الدستوري لو تبنته القيادات السياسية كان يمكن أن يجنب العراق سنوات من الانسداد.

اليوم ومنذ تشرين الثاني من عام 2025 وحتى اللحظة والعراق لا يزال بدون حكومة. التحالفات تتشكل وتتفكك والأسماء تطرح وتُسحب والمحاصصة الطائفية تأكل ما تبقى من ثقة المواطن في مؤسسات دولته. إنها حلقة مفرغة تتكرر كل أربع سنوات والحصيلة واحدة شعب يئن تحت وطأة الفساد والبطالة والخدمات المتداعية وسياسيون منشغلون بتقاسم المناصب .

“الكتلة الأكبر” تحولت من آلية ديمقراطية إلى سلاح لقتل الإرادة الشعبية. كل تأويل خاطئ لهذه العبارة يضيف أربع سنوات أخرى من الفساد والفراغ إلى عمر الدولة، بينما يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة في صندوق الاقتراع حين يُلغى صوته، ومرة في الشارع حين تنهار الخدمات. الحل ليس بتعديل الدستور، بل بتطبيق روحه: الفائز بالأصوات هو من يشكل الحكومة، وإلا فلتُشطب كلمة “ديمقراطية” من قاموس النظام السياسي العراقي.

لقد حان الوقت لمراجعة شاملة وأن يضع قادة العراق مصلحة وطنهم فوق كل اعتبار و يكونوا صادقين في عملهم وتوجهاتهم. يكفي ما جنيناه من خراب وتشتت على مدى يقارب ربع قرن منذ سقوط نظام صدام وحتى يومنا هذا الحل بسيط العودة إلى روح الدستور وتفسير “الكتلة الأكبر” على أنها الكتلة الفائزة بأعلى الأصوات وهي من ترشح رئيس الحكومة لا تلك التي تتفق عليها القوى السياسية في غرف مغلقة فإرادة الناخب العراقي يجب أن تبقى فوق كل اعتبار وهي وحدها الكفيلة بإنقاذ هذا البلد من عنق الزجاجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *