إشكالية الموازنة الثلاثية في العراق: تحليل في ظل الأرقام الفلكية ومخاطر الانكشاف المالي
يواجه الاقتصاد العراقي منعطفاً خطيراً مع اعتماد “الموازنة الثلاثية” التي لم تعد مجرد أداة تخطيطية، بل تحولت إلى وعاء لتضخم الإنفاق العام. إن قراءة لغة الأرقام في هذه الموازنة تكشف عن حجم الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الاقتصادي ا
أولاً: التحليل الرقمي للنفقات (التضخم الانفجاري)
بلغ إجمالي النفقات في موازنة عام 2024 (كمتوسط للسنوات الثلاث) نحو 211 تريليون دينار عراقي (ما يعادل قرابة 161 مليار دولار)، وهي الزيادة الأعلى في تاريخ الدولة العراقية.
1_النفقات التشغيلية (العبء الثابت) تستحوذ الرواتب والأجور ومنح الرعاية الاجتماعية على أكثر من 90 تريليون دينار. هذا الرقم يمثل “صلابة مالية” خطيرة، حيث أن الدولة ملزمة بتأمين قرابة 7.5 تريليون دينار شهرياً كرواتب فقط، وهو ما يلتهم الجزء الأكبر من الإيرادات النفطية قبل تخصيص أي مبالغ للتنمية.
2_النفقات الاستثمارية: خُصص لها حوالي 55 تريليون دينار، لكن نسب الإنجاز الفعلي تاريخياً لا تتجاوز 40-50%، مما يحول هذه المبالغ في نهاية السنة المالية إلى “فوائض شكلية” أو ديون مدورة.
ثانياً: معضلة الإيرادات والأحادية النفطية
بُنيت الموازنة على فرضية إيرادات إجمالية تقدر بنحو 144.5 تريليون دينار.
التبعية للنفط تشكل الإيرادات النفطية أكثر من 89% من إجمالي الدخل، حيث تم احتساب سعر البرميل بـ 70 دولارا وبمعدل تصدير 3.5 مليون برميل يومياً (بما فيها صادرات إقليم كردستان).
هشاشة الإيرادات غير النفطية رغم الوعود بتنشيط الضرائب والجمارك، إلا أن الإيرادات غير النفطية ظلت خجولة ولم تتجاوز المقدر لها بـ 17 تريليون دينار، وسط عجز حكومي عن ضبط المنافذ الحدودية وتحصيل الجباية بشكل مؤسساتي.
ثالثاً: العجز المالي (الفجوة الهيكلية)
تكمن الصدمة الرقمية في حجم “العجز المخطط” الذي سجل مستويات قياسية:
عجز عام 2024 بلغ قرابة 64 تريليون دينار (أكثر من 48 مليار دولار).
التمويل بالفجوة هذا العجز يُغطى نظرياً من مدورات العام السابق، والاقتراض الداخلي والخارجي، وارتفاع أسعار النفط فوق السعر الافتراضي. لكن خطورة هذا الرقم تكمن في حال تراجع أسعار النفط إلى ما دون 65 دولاراً، حيث سيجد العراق نفسه أمام عجز حقيقي يهدد القدرة على تسديد النفقات الحاكمة (الرواتب).
رابعاً: الضبابية في جداول الموازنة
إن اعتماد موازنة لثلاث سنوات بأرقام ثابتة للنفقات التشغيلية يتجاهل “التضخم” وتغير “سعر الصرف”. فالفقدان الفعلي للجداول التفصيلية السنوية في البرلمان جعل من الموازنة “شيكاً على بياض” للجهاز التنفيذي، حيث أن الفارق بين ما مُخطط له عام 2023 وما استجد في 2024 من تعيينات والتزامات مالية أدى إلى زيادة الإنفاق بقرابة 12 تريليون دينار إضافية عما كان مرسوماً في البداية. الاستنتاجات التحليلية:
1_فخ العجز العراق يعيش حالة “توازن قلق”؛ فالموازنة الثلاثية لا تؤمن استقراراً بل ترحّل الأزمات. العجز البالغ 64 تريليون دينار يمثل قنبلة موقوتة في حال حدوث أي هزة في أسواق الطاقة.
2_غياب المرونة: إن تضخم بند الرواتب ليتجاوز الـ 90 تريليون دينار سنوياً يعني أن العراق فقد مرونته المالية، ولم يعد قادراً على المناورة في حال انخفاض الصادرات أو الأسعار.
الخلاصة
الموازنة الثلاثية بأرقامها الحالية هي موازنة “ترحيل مؤقت” وليست موازنة “بناء”. إن الفجوة بين الإيرادات الحقيقية والنفقات الانفجارية تؤكد أن العراق لا يزال أسيراً لـ “بدعة” التوسع الاستهلاكي على حساب التخطيط الاستراتيجي، مما يجعل العودة للأحادية النفطية قدراً لا مفر منه في ظل غياب الإصلاح الهيكلي الرقمي.


