دور التضليل الإعلامي والحرب النفسية في الأزمات والحروب

دور التضليل الإعلامي والحرب النفسية في الأزمات والحروب
إن التضليل الإعلامي والحرب النفسية مُصطلح يُستخدم من قِبلِ دوائر شريرة ، بهدف نشر شائعاتٍ ومعلومات تُؤدّي إلى تشويه الحقائق ،..

إن التضليل الإعلامي والحرب النفسية مُصطلح يُستخدم من قِبلِ دوائر شريرة ، بهدف نشر شائعاتٍ ومعلومات تُؤدّي إلى تشويه الحقائق ، وبالتالي السعي لإثارة البلبلة والخوف بينَ المدنيين ، من خلال كلّ الوسائل الإعلامية والصحفية ، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي ، كُلّ هذه التصرفات تنتهك حقوق الإنسان ، وتخترق السلامة والأمان والحالة النفسية للبشر .

كما تؤدّي إلى التوتّر وإلى الاكتئاب ، والعنف بين الشعوب ، وقد يكون هناك صراعاً مُسلّحاً ، يُؤدّي إلى تعطيل الأعمال وخاصّة التربوية منها ، وفقدان الكثير لوظائفهم ، وإلى هجرة المواطنين وهروب رؤوس الأعمال ، وبالتالي تدمير البنية التحتية للبلاد .

والأخطر من ذلك أن هذه الأساليب المشبوهة لا تسمح للرأي الآخر أن يُضفي شرعيته حتّى على أقذر الرذائل البشرية بما في ذلك زواج المثليين أو تجارة الأعضاء البشرية ، أو الاعتداء الجنسي على الأطفال ، وأمور كثيرةٌ أخرى ، إنّه التخلّي بل التجرّد النهائي من الحسّ الإنساني وعن القيم والثوابت التقليدية التي تجمع الآدمية البشرية في خندقٍ واحد ، وإبادة بقايا المشاعر البشرية عند الناس .

فحينما نتناول هكذا ملف ، علينا أن نكون وندرك ، بل أن نعترف وبجرأة بأننا نعجز عن تفسير سلوكيات المؤسسات الاعلامية وخاصّة في الأزمات والحروب ، وخاصّة عندما نراها بمجملها تنطق باِسمِ السلطان ، أو السلطة والقائمين عليها .

هناك ممارسات إعلامية مختلفة ، نراها عادية ومتألقة في مهامها زمن السلم ، ولكنها في أزمات الحروب تختلف فهي تُجيّش بشكلٍ تقليدي ، متمسّكة بحرية العمل الصحفي والإعلامي الذي يخدم الدولة والمواطن .

الواقع الحالي الذي تعيشه الأمّة ، ويعيشه العالم ، نراه مليء بالصراعات المتعددة الجوانب ، منها ما هو سياسي أو جغرافي أو مائي ، أو متعلّق بأزمات التمدد الإرهابي ، إضافة إلى الأزمة المالية التي تعصف في مختلف دول العالم ، وكلّهم انزلقوا إلى قاع الجريمة .

التضليل الإعلامي حاولت استخدامه أمريكا في حربها على فيتنام ، في الوقت الذي كانت فيه المقاومة الفيتنامية صادقة ونزيهة في بياناتها اليومية ونشاطها الفعّال في الميدان ، سقطت  أمريكا  و تضليلها الإعلامي وحربها النفسية على الفيتناميين ،  وأعلنت انسحابها من فيتنام عام 1975 .

كلّنا يتابع استفحال الأزمات في مختلف دول العالم ، وكلّ هذه الأزمات يعتريها الشحوب والتعتيم والتضليل المُبرمج ، وكلّها أزماتٌ مُفتعلة مُسبقة الصنع ، وتم التحضير لها ، وتنفجر فجأة وفي الوقت المناسب للدول التي خططت لها ، وكُلّ ما يرمون إليه هو ثقافة تهميش  الآخر ، وتوسيع نطاق صراع الثقافات والحضارات ، ونشر الجهل والعنصرية وهضم حقوق الشعوب المستضعفة ، وكلّنا تابعنا ونتابع ما حدث ويحدث في غزّة و فلسطين المحتلة ، وفي اليمن والعراق وسورية ولبنان على سبيل المثال وليس الحصر .

ويبقى على الدوام الإنسان هو الضحية ، والذي يتساءل بنفس الوقت ، هل حقيقة الذي يُرى ؟! ، وكلّهم يُتاجرون ويدّعون تمسّكهم بمبادئ حقوق الإنسان و بالحرية و العدالة ! .

لم تعد هناك أخلاق ولا موضوعية ولا مهنية لديهم ، ولدى مؤسسات الإعلام التي تتجاهل في تغطية الوقائع إلاّ وفق ما يُناسبها و ما يسمح به سعادة السلطان .

الحرب الإعلامية ليست بسهلة على الإطلاق ، إنها تتم بضبط خطواتها ومعطياتها و وقتها ، كيف لا و أننا نعيش ظاهرة إنتشار الحقد والكراهية والتضليل والفيديوهات المُفبركة ، والأخبار الكاذبة وبدون أي إعتبار للمشاهد أو المُتلقي ، والاستخفاف بمشاعر أبناء الشعب ، وكأنهم بُلهاء كما يعتقدون .

التشويه  الإعلامي المُفتعل لا حدود له ، وكأن الخطوط والعناوين العريضة المُلوّنة ، والصورة ، هي التي تكسب الرأي العام وتُسيّره ، إنّه التواطؤ غير الأخلاقي لكلِ مؤسسات الإعلام التي تُهرول وراء سلطة المال والسياسة ، بعيداً كُلّ البعد عن الأخلاق والمهنية والقيم والثوابت .

أمام المطبات التي تُواجه الأُمّة ، على الإعلام العربي أكثر من أي وقتٍ مضى أن يحتكم إلى صحوةِ الضمير ، ويتعامل مع الواقع بكلِ حرفية وأخلاق سامية مع كُلّ الأزمات المختلفة بغضِ النظر إن كانت محلية أو إقليمية أو دولية ، وأن يحتكم إلى صوت الضمير الحر ، وإلى قيمنا وثوابتنا ، وإلى ثقافة قبول الآخر ، وثقافة الحوار ، واحترام انسانية البشر ، كي لا تتغلّب الطلقة على الكلمة ، والقوة الغاشمة على حديث العقل والحكمة .

إذا توسّعنا أكثر نرى أن المُعادلة ما بين الإرهاب والإعلام تختزن مفهوم الحسّ الوطني وحقوق الإنسان ، وإبتزاز الفصائل الإرهابية المنصّات الاعلامية بهدف تحقيق الوصول إلى منبرٍ يضمن لهم التواجد والحضور الاعلامي بشكلٍ علني ، ومن ثُمّ الوصول إلى الرأي العام ، ومن خلال هكذا علاقة تضيع حقوق الإنسان ومصلحة الوطن والمواطن ، إنّها الإثارة والتضخيم في حيثيات الواقع من جهةٍ أخرى .

وإذا دققنا في دقائق الأمور نرى أن المهنية الاعلامية تعجز عن تفسير مسار المؤسسات الإعلامية في تغطيتها الأزمات والحروب ، بحيث تصبح هكذا أجهزة إعلامية وتظهر وكأنها طرفٌ أساسي من الأزمات والحروب نفسها .

مع الأسف إن الخطاب الإعلامي أصبح يعتلي منبراً بعيداً كل البعد عن الموضوعية والمهنية والحرف النبيل والحر .

إن إختراق القيم والحرفية الإعلامية أصبح بشكلٍ جلي من السمات الأساسية لإعلام هذه الأيام ، حيث يساهم وبكل اندفاع  في تشويه الحقائق والتضليل ، وبث الكراهية والفتنة ، وثقافة الحقد بين الأمم وشعوبها .

فهل يستطيع الإعلام المُضللّ التخلي عن الزيف وثقافة الحروب والأزمات ، والعودة إلى النزاهة المهنية ، بهدف السلم والأمان والتقارب بين الشعوب والأديان .

وعلى المفكرين والمثقفين والكتّاب العرب أخذ دورهم الفاعل :

* في مواجهة الحرب النفسية المُضللة ، ومواجهة العبث الفكري والقيمي . والعمل على دفع مسيرة المجتمع العربي كي يخطو خطواتٍ سريعة تنسجم والتطور الحضاري .

* وبذل الجهد الأكبر بهدف نشر الوعي في المجتمع العربي .

* وتخصيص جهود فاعلة في المؤسسات التربوية والإعلامية لتعزيز قيم ومعايير وثوابت مجتمعاتنا بهدف تحصين الإنسان من تأثيرات الغزو الثقافي والإعلامي المشبوه والشرير .,

* مناشدة الحكام العرب كي يتطهّروا من ثقافة التبعية العمياء ، والتركيز على البناء النفسي والثقافي والفكري لكافة أفراد مُكوّنات مجتمعاتنا .

* رفض الحرب النفسية والإعلامية المضللة التي ولجت المنطقة كسلاحٍ فعال تلجأ إليه دول عديدة ، ونظم سياسية مختلفة بهدفِ التأثير على مجتمعاتنا وعلى مجتمعات أخرى مُستهدفة ، بهدف زرع بذور تقبّل هذه الأفكار ، وبالتالي تشكيل وتكوين شريحة من البشر تملك قناعة بها لتأمين مصالح ومكاسب تلك الدول .

لذلك علينا مفكرين وكُتّاب ومثقفين عرب ، أن نأخذ دورنا الفاعل كي نُحذّر عامة الناس والرأي العام بعدم الاستهتار بالحربِ الاعلامية المضللة ، وعدم تبسيطها لأنها فعلاً خطيرة ، وتملك أبعاداً للمدى الطويل ، والتحرر من التبعيات البغيضة ، ورفض سياسات الأمر الواقع ، وعدم الانجراف وراء الإعلام المُغرض والمُضلل ، واحترام حرمة القضايا المصيرية ، والتمسّك وبعناد بالثوابت الوطنية والقومية والفكرية .

الآن نتساءل :

هل الأمّة العربية تملك أسلحة مؤسساتها الإعلامية من أجل الدفاع عن قضايانا وقيمنا ، وإيصال صوتنا إلى العالم ، ومواجهة أكاذيب العدو ، وحماية شباب الأمة وأجيالها من مطبات الحرب النفسية والإعلامية المُضللة والمشبوهة ، وغرس روح المواطنة والتعايش ، والوفاء والولاء للدولة وللأُمّة ، وإزالة الخوف من العدو ، وتنمية الوعي ومشاعر الحسّ الأخلاقي والإنساني في أبناء الأمّة ؟! .

نحن سنجيب بدلاً عن الأمة وعن مؤسساتها الإعلامية  ، ونقول :

للأسف لا تملكون  سوى التبعية العمياء التي تحكمكم ، فالحرب على غزّة أكّدت وكشفت وبقوة كل شيء حتّى عوراتكم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *