الكتابة السومرية في حضارة وادي الرافدين أهم حدث في التاريخ الإنساني

الكتابة السومرية في حضارة وادي الرافدين أهم حدث في التاريخ الإنساني
من بلادِ الرَّافدين انطلقَ الحرفُ الأوَّل للكتابة إلى كُلِّ بقاع العالم, وتُشكِّلُ الكتابةُ أداة التدوين والانجاز الأعظم, وأروع ما خلَّفتهُ حضارةُ وادي الرافدين...

المقدمة :

من بلادِ الرَّافدين انطلقَ الحرفُ الأوَّل للكتابة إلى كُلِّ بقاع العالم, وتُشكِّلُ الكتابةُ أداة التدوين والانجاز الأعظم, وأروع ما خلَّفتهُ حضارةُ وادي الرافدين, تحقَّقت لأوَّل مرَّةٍ في تاريخِ البشريَّة قبلَ أكثرِ من خمسةِ آلاف سنةٍ في مدينة (الوركاء) أوروك، وهكذا كان الفضلُ في إخراج البشريَّة من ظلامِ أمِّيتها([1]), والكتابةُ هي شهادة الميلاد التي منحها العراقيُّ القديم للإنسان, وتُعدُّ أهم مقومات الحضارة العراقية القديمة, وتُعبِّرُ عن العمق العقليِّ الذي بلغه الإنسانُ الرافديني, وهي اختراعٌ بلغ الذروةَ من العبقريَّة, انتشر بعد ذلك من موطن إبداعه (العراق) ليشملَ أرجاءَ عدَّةً من الشرق الأدنى القديم, فكان معلمَ خلودٍ لها([2]) . ويمكن التوسع في هذه الدراسة من خلال المحاور التالية:

المحور الأول : الكتابة السومرية أهم محصلة حضارية إنسانية في وادي الرافدين.

كان ابتكارُ الكتابة أهمَّ الأحداث في التاريخ الفكريِّ للإنسان, فهي الحدُّ الذي بدأ عنده توثيقُ التاريخ منذُ ابتكارها وحتَّى يومنا هذا, وبفضلِ اختراعِ الكتابة برزت أهميَّةُ الكشوف التاريخيَّة الأثريَّة في توضيح صورةِ وحجمِ حضارة وادي الرافدين التي أسهمت في قلب المفاهيم, ولم يكُنِ ابتكارُ السومريين لأقدمِ أسلوبٍ للتدوين في تاريخ الحضارات القديمةِ حدثًا عارضًا في التاريخ الإنساني, بل عُدَّ واحدًا من أعظم الإنجازات الحضاريَّة في تاريخ البشرية([3]), وهي السمةُ الأكثر تميُّزًا لإرث حضارة وادي الرافدين على امتداد تاريخها الطويل, وتُمثِّل الكتابةُ هبة الآلهة للإنسان حتى يتمكَّن من أداء الوظيفة التي أُوكلت إليه على أفضل وجهٍ ([4]).

وأصبحت الكتابةُ المسماريَّةُ أهمَّ مُحصِّلةٍ حضارية كبرى حققها الإنسانُ الرافديني, وأوَّل كتابة في تاريخ البشرية, إذ كان لها الفضل الكبير في وضع أصول التاريخ المدوَّن للبشرية, ولحفظِ نتاجه الفكريِّ وميراثه الثقافي والعلمي من الاندثار, ولتتوارثه الأجيالُ اللاحقة, كما تركت أثرًا كبيرًا على مجمل الحضارة الإنسانيَّة, ولولاها لما استطاع الإنسانُ أن يسجِّلَ علومه ومعارفه وتراثه وينقله إلى الأجيال, وكان ذلك قبلَ أكثر من خمسة آلاف سنة, وتُعَدُّ على رأس الدلائل المادية للنضوج الحضاري في هذا البلد([5]), وتُمثِّلُ العلاماتُ الصورية المنقوشة على الألواح الطينيَّةِ المكتشفة أقدم محاولات الإنسان العراقيِّ القديم في الكتابة وتدوين اللغة, ونقلها إلى الآخرين, وتُعَدُّ اللغةُ السومريَّة أقدم اللغات الإنسانية المعروفة, من حيث تاريخ التدوين([6]).

 المحور الثاني : تطور نظام الكتابة السومري.

وفي البدايةُ كانت الكتابةُ عبارةً عن صور بسيطة منقوشة على الألواح الطينية وكان الهدف منها تسجيل المعاملات التجارية وعمليات المقايضة, كمقايضة الحبوب والحيوانات وغير ذلك, وبعدها تحوَّلت إلى نظامِ كتابةٍ متطور, وعُرِفَت باسم الكتابة المسمارية, والطينُ كان يؤلِّف المادة الرئيسة للكتابة عبر كُلِّ فتراتِ تاريخ حضارة وادي الرافدين, إذ كانت تُطبَعُ عليه العلامات المسمارية, وهو مازال طريًّا, أمَّا الكتابة على الحجر أو المعدن فقد كانت نادرةً جدًّا قياسًا بالكتابة الطينية التي تتَّسمُ بالسهولة في الكتابة والرسم إلى حدٍّ ما مقارنة بالحجر والمعدن, وكان للمواد الصلبة خطٌّ يتناسبُ معها.

وتتألَّف الرموزُ المسماريَّة من نوعين من العلامات: الأوَّل: يتمثَّلُ بالعلامات الصوريَّة التي تتضمَّن صورةً كاملة للشيء المُراد كتابته, أمَّا النوع الثاني: فيتمثَّل بالعلامات المسماريَّة التي تكونُ صورتُها مختصرةً عن الصورة الأصليَّة([7]).

وقد كشفت لنا الآثارُ المكتشفةُ والمستخرجة من المواقع الأثريَّة في العراق اهتمامَ إنسانِ وادي الرَّافدين بتسجيلِ تجاربِ الأجيالِ السَّابقة وخبراتها وأفكارها وابتكاراتها, ومنها أعمال الملوك والحُكَّام, ومحاولة تفسير التاريخ البشري العام بالرموز الأسطورية مثل خلق الكون, وخلق الإنسان ومكانته في نظام الكون والحياة والمجتمع وأنظمة الحكم([8]).

وقد مثَّلت الكتابةُ حدًّا فاصلًا بين مرحلتين أساسيتين من مراحل التطور الحضاري, حيث انتهت مرحلةُ عصور ما قبل التاريخ لتبدأ بعدها مرحلةُ العصور التاريخية, وهاتين الحقبتينِ من مسيرة الماضي البشريِّ قد اكتسبت اللاحقةُ منهما اسمها فيما بعد التاريخ المكتوب التي يُقدر عمرها بخمسة آلاف سنة, مقابل ما قبل التاريخ التي سبقتها؛ مِمَّا جعل الماضي البشري من ذلك الحين معرفة تستندُ إلى الكتابة بالدرجة الأولى, وتقترن بها وسيلة لإضفاء صبغة كلاسيكية على الآثار السومرية الأصل([9]).

المحور الثالث: نشوء المدرسة السومرية بداية لنظام التعليم والتفلسف.

وقد مثَّلت أداةً هامَّةً لتسجيلِ الإرث الحضاريِّ, ومع وجود المنجزات العديدةِ في ميادين الفكر والعُمران التي أسهمت في تطوير حياة الإنسان نحو الافضل, ولكن يبقى الفضلُ للعراقيين القدماء في تعليم الناس الكتابة, إذ أوصلت رسالتها ومعرفتها وإرثها إلى الأجيال القادمة بواسطة الحروف والرموز([10]), فكان نشوءُ المدرسة السومريَّة وبداية نظام التعليم وتطوره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالكتابة المسمارية, فما كان لها أنْ تنشأَ لولا ذلك الاختراع الذي كان نتيجةً مباشرةً لنشأتها, فضلًا عن نموها وتطورها فيما بعد, فكان ذلك الاختراع إبداعًا بارزًا أسهمت به بلادُ سومر في تطور الحضارة([11]).

ومِمَّا يُلفت النظرَ أنَّ البعضَ حاول أن يلجأَ إلى أصولِ الكلمات, وأن يُبرهنَ من خلال معانيها على أنَّ خالقي اللغة والكتابة كانوا من الفلاسفة, وأنَّها بقيت رغم كُلِّ العواصف التي مرَّت على الإنسانية بسبب ندرتها ودقَّتها وحكمتها, وكانت من خصائص الشعب الرافدينيِّ القديم([12]).

وهناك من يرى أنَّ مَن يسعى نحو التعرُّفِ على بداية الفلسفة عليه الرجوعُ إلى الزمن التاريخي الذي بدأ فيه استعمالُ نظام الكتابة, ذلك أنَّ الحضاراتِ التي لم تعرفِ الكتابةَ لا يُمكن لها أنْ تعرفَ تفسيراتِ العالم التي نُقِلَت شفويًّا والتي تَمَّ تناقلها عبرَ أجيالٍ متعددة, وأنَّ الثقافاتِ التي عرفت أنظمةَ الكتابة وفهمَ اللغةِ تيسَّرَ لها تثبيتُ تفسيرِ العالم لزمن أطول, وسهُلت عليها عمليَّةُ التواصل بشكل أفضل([13]).

ومِمَّا يوحِّد هذه الحضارة المفهوم الخاصُّ الذي أعطته للكلمة, فقد رفعت من شأنِ اللغة حين عدَّتها مجانسة للخلق والوجود, واتخذتها وسيلةً للتعبير عن طريقتهم في العيش والحياة, كما استعملتها في مختلف المجالات الأدبية والعلمية, ويكفي القول إنَّ هناك تراثًا اجتماعيًّا وفكريًّا تناقلته الدولُ والشعوب التي عاشت في بلاد الرافدين, فهي ملتقى الحضارات لاتصالها بالشرق الأقصى, وبالشرق الأدنى([14]), إذ نجدُ كثيرًا من الدلائل والحقائق التاريخية التي كشفت عنها البحوث والآثار.

وخلاصة القول: يمكن البرهنةُ على أنَّ التراث الغنيَّ والضخم للحضارة العراقية القديمة لم يكن مقتصرًا على المجال الفكريِّ والعلميِّ والأدبيِّ  فحسب, وإنَّما يشتمل على الحقول اللغوية, واستعارةِ المفردات, وبذلك قد انتقلت طائفةٌ مهمَّةٌ وكبيرة إلى اللغات العالمية القديمة, ومنها اليونانية واللاتينية, ومن خلالها إلى اللغات الأوربية.

([1]) ينظر: عبد الوهاب حميد رشيد, حضارة وادي الرافدين (ميزوبوتاميا) العقيدة الدينية.. الحياة الاجتماعية.. الأفكار الفلسفية, دار الهدى للثقافة والنسر, دمشق, ط1, 2004م، ص 149. ينظر كذلك: ديفيد كرستال, مختصر تاريخ اللغة, ترجمة : أحمد الزبيدي, دار الكتب العلمية للطباعة والنشر والتوزيع, بغداد, ط1, 2018م، ص 165. وينظر كذلك: ول ديورانت, قصة الحضارة: مج1 , ص 1/34.

([2]) ينظر: محمد حسين النجم, فلسفة الوجود في الفكر الرافديني القديم وأثرها على اليونان, بيت الحكمة, بغداد, ط1, 2003م ، ص 20.

([3]) ينظر: محمد غازي تدمري, حضارات التاريخ الكبرى , دار الكتاب العربي, دمشق- القاهرة, ط1, 2018م ، ص 1/70.

([4]) ينظر: فرانكودا غاستينوا, السومريون, ترجمته عن الإيطالية: سناء السيوفي, دار شهريار للنشر والتوزيع, البصرة, ط1, 2022م ،ص 37.

([5]) ينظر: بهيجة خليل إسماعيل, الكتابة حضارة العراق, نخبة من الباحثين العراقيين, دار الجيل, بيروت- بغداد, 1985م: ، ص1/221. ينظر كذلك : سليم مطر, العراق سبعة آلاف عام من الحياة, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت, ط1, 2013م ، ص 38.

([6]) ينظر: عامر سليمان, اللغة الأكدية (البابلية الآشورية) تاريخها وتدوينها وقواعدها, دار الكتب للطباعة والنشر, الموصل, 1991م ، ص 26-28.

([7]) ينظر: فوزي رشيد, قواعد اللغة السومرية, دار صفحات للدراسات والنشر, دمشق, ط1, 2009م ، ص 14-15.

وينظر كذلك: صبحي أنور رشيد, تاريخ الفن في العراق القديم, بغداد ، ص 1/9.

([8]) ينظر: عادل المخزومي, مدخل إلى فلسفة التاريخ, مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي, القاهرة-بغداد, ط2, 2010م ، ص 12.  ينظر كذلك: عامر سليمان, جوانب من حضارة العراق القديم(العراق في التاريخ), دار الحرية, بغداد 1983م ، ص 225.

([9]) ينظر: جميل موسى, فلسفة التاريخ مباحث نظرية, المؤسسة اللبنانية للكتاب الأكاديمي, بيروت, ط1, 2014م ، ص 51. ينظر كذلك : أرنولد توبيني, تاريخ البشرية, نقله إلى العربية: نقولا زيادة, الأهلية للنشر والتوزيع, بيروت , ط2, 1988م ، ص15 .

([10]) ينظر : فضل عبدالواحد علي, الأدب, حضارة العراق, نخبة من الباحثين العراقيين, دار الجيل, بيروت- بغداد, 1985م ، ص 319.

([11]) ينظر: صموئيل كريمر, من ألواح سومر, ترجمة: طه باقر, تقديم ومراجعة: أحمد فخري, مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر, القاهرة ، ص 43.   ينظر كذلك: سامي سعيد الأحمد , العراق القديم, جامعة بغداد, ط1, 1978م ،ص 1/354.

([12]) ينظر: محمد الجبر, الفكر الفلسفي والأخلاقي عند اليونان, أرسطو نموذجا, دار دمشق, دمشق, ط1, 1994م ، ص 14.

([13]) ينظر: أنطوان غرابنوهايدر, فلسفة حضارات العالم نظريات الحقيقة وتأويلها, ترجمة: جورج كنورة, مؤسسة شرق غرب, ديوان المسار للنشر, بغداد, ط1, 2010م ، ص 17-18.

([14]) ينظر: سهيل قاشا, تاريخ الفكر في العراق القديم, مكتبة الفكر الجديد, دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع, بيروت, 2010م ، ص 11.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *