هوية العقل العربي بين الخصوصية الثقافية والعقلانية الكونية

هوية العقل العربي بين الخصوصية الثقافية والعقلانية الكونية
شهد الفكر العربي المعاصر نقاشًا حول ما إذا كان يمكن الحديث عن (هوية) خاصة للعقل العربي. فقد قدم كل من محمد عابد الجابري ومحمد أركون مشاريع فكرية...

في ندوة عقدت قبل أيام على منصة حوار التنوير، قدمت الباحثة اللبنانية الأستاذة الدكتورة نايلة أنطوان أبي نادر، أستاذة الفلسفة العربية الإسلامية في الجامعة اللبنانية ، محاضرة عن مشروع محمد أركون النقدي بعنوان (مقاربات متعددة للتراث). تناولت في محاضرتها جهود أركون في تفكيك التراث الإسلامي وقراءته بأدوات منهجية حديثة تتجاوز التقليد وتستعيد حركة الفكر النقدي. وبينما كنت أتابع الطرح الذي قدّمته الباحثة، تولد في ذهني سؤال بدا لي شديد الإلحاح، هل للعقل هوية؟ وهل يصح، من منظور معرفي وفلسفي، أن نتحدث عن (عقل عربي) أو (عقل إسلامي) كما فعل أركون والجابري، أم أن العقل، في جوهره، ملكة إنسانية كونية يشترك فيها جميع البشر على اختلاف ثقافاتهم؟ هذا التساؤل، الذي ظل يتردد في ذهني بعد انتهاء الندوة، هو ما يدفعني إلى كتابة هذا المقال الذي يسعى إلى تفكيك هذا الإشكال، مستعرضًا أطروحات الجابري وأركون ومقارنتها بما قدمته الفلسفات الأوروبية والآسيوية حول طبيعة العقل والعقلية، محاولًا التمييز بين ما هو مشترك إنساني وما هو متغير ثقافي.

شهد الفكر العربي المعاصر نقاشًا حول ما إذا كان يمكن الحديث عن (هوية) خاصة للعقل العربي. فقد قدم كل من محمد عابد الجابري ومحمد أركون مشاريع فكرية تصف العقل العربي (أو الإسلامي) بملامح مميزة نابعة من التراث الثقافي والتاريخي. أطلق الجابري مشروع نقد العقل العربي بينما طرح أركون مشروع نقد العقل الإسلامي. ينبع سؤلنا هنا، هل من المشروع فلسفيًّا ومعرفيًّا إضفاء هوية ثقافية على (العقل Mind ) ذاته، أم أن الأولى الحديث عن (عقلية (أو mindset) ) تختلف باختلاف السياقات الثقافية مع بقاء العقل كملكة إنسانية مشتركة؟ سأحاول استجلاء هذه الإشكالية عبر تحليل تصور الجابري وأركون ومقارنته بأفكار بعض الفلاسفة الأوروبيين والآسيويين حول عالمية الفكر أو نسبيته الثقافية.

قصد الجابري بالعقل العربي ذلك العقل المكوَّن داخل الثقافة العربية الإسلامية، والذي تشكَّل عبر منظومة من المبادئ والقواعد المعرفية التي قدّمتها تلك الثقافة لأبنائها واكتسبت صفة الإلزام بوصفها نظامًا معرفيًّا مهيمنًا. بعبارة أخرى، يتطابق بنظر الجابري (العقل العربي) مع البنية اللاشعورية للمعرفة في الثقافة العربية الإسلامية خلال حقبة تاريخية معينة. لذلك قسم الجابري هذه البنية إلى أنماط معرفية (بيانية وعرفانية وبرهانية) تميز الفكر العربي التقليدي. فهو رأى العقل العربي بيانيًّا تمحور حول اللغة والنص، مقابل العقل الغربي برهانيًّا تجريبيًّا ديناميكيًّا. وقد وُصِفَ هذا الحكم بأنه قاسٍ وربما مُشبع بنظرة استشراقية لتفريقه الجذري بين عقلين على أساس اللغة والثقافة. أما أركون، فقد تناول ما أسماه (العقل الإسلامي) بوصفه مجموعة أنماط التفكير التي سادت في الحضارة الإسلامية منذ القرن الثالث عشر وما تلاه. هدف مشروعه إلى إخضاع العقل الإسلامي لمساءلة نقدية صارمة، معتبرًا أنه عقل تاريخي محدد بسياقاته لا كيانًا مطلقًا مفارقًا للزمان والمكان. لذلك شدّد أركون على أن (العقل الإسلامي ليس شيئًا مطلقًا أو مجرّدًا يقبع خارج الزمان والمكان، وإنما هو مرتبط بحيثيات وظروف محددة)  ينبغي تفكيكها وفهمها. وعلى غرار الجابري، سعى أركون إلى تجاوز الجمود في الفكر الإسلامي عبر إحياء الاجتهاد واستخدام مناهج حديثة متعددة (لسانية وسيميائية وتاريخية وغيرها) لكسر دائرة التفكير المغلقة. على الرغم من اختلافهما في التسمية والمنهج ، حيث ركّز الجابري على (عقل عربي) مرتبط باللغة والتراث العربي، في حين ركّز أركون على (عقل إسلامي) مرتبط بالفضاء الديني الإسلامي ، إلا أنّ كليهما اتفق على وجود بنية ذهنية موروثة تحتاج إلى نقد وتجديد.

العقل أم العقلية ، الكوني والمتغير،  يفرض هذا الطرح التساؤل حول الفرق بين العقل بوصفه ملكة إنسانية مشتركة وبين العقلية بوصفها نتاج تاريخي ثقافي.

تقليديًّا، اعتبرت الفلسفة العقل ملكة كونية تميز البشر كافة. منذ ديكارت وكانط، ساد التصور بأن جميع البشر يشتركون في القدرة العقلية نفسها رغم اختلاف معارفهم. يؤكد إيمانويل كانط مثلاً أن القانون الأخلاقي عقلي كوني ملزم لجميع الكائنات العاقلة بالتساوي، مما يعني ضمناً أن البنية العقلية الأساسية واحدة. وبالمثل رأى فلاسفة التنوير العقل نورًا فطريًا عامًا. حتى من منظور معاصر، يجادل البعض بأن وجود عقل إنساني مشترك شرط لإمكانية التفاهم والحوار بين مختلف الثقافات. على الجانب الآخر، سلّط مفكرون أوروبيون الضوء على تنوّع تجليات العقل باختلاف البيئات التاريخية. فقد تحدث هيغل عن روح الشعب (Volksgeist) معتبراً أن الروح (أي العقل الجمعي) تتخذ صبغة خاصة في كل أمة رغم جوهرها الإنساني الواحد. فالعقل عند هيغل ذات طبيعة كلية شاملة، لكنه يتجلى في العالم عبر خصوصيات مرحلية وثقافية. وفي السياق ذاته، ميّز أندريه لالاند ، وهو المرجع الذي استعان به الجابري ، بين العقل المكوِّن (الفعل العقلاني الإنساني العام القادر على إنتاج المعرفة) والعقل المكوَّن (حصيلة النتاج المعرفي التاريخي السائد). يمكن القول إن الجابري وأركون كانا يتناولان العقل المكوَّن أو العقلية السائدة في الثقافة العربية والإسلامية، وليس العقل بمعناه الإنساني الكوني المجرد. فإسناد هوية للعقل العربي لدى هؤلاء هو في الحقيقة وصف نمط العقلانية التاريخية الخاصة بتلك الثقافة، أي العقلية الحضارية المتشكلة عبر القرون. هذا التمييز ضروري حتى لا يُفهَم حديثهما على أنه إنكار لوحدة العقل البشري، بل على أنه تحليل لاختلاف أنماط التفكير بتأثير العوامل الحضارية.

بالنظر إلى فلسفات أخرى، نجد أنها واجهت إشكالية عالمية الفكر وخصوصيته بطرق مختلفة. كونفوشيوس ، على سبيل المثال ، لم يتحدث عن (عقل صيني) مقابل (عقول أخرى)، بل ركّز على القيم والسلوكيات، منطلقًا من إيمانه بأن البشر (متشابهون بالطبيعة وإنما تفرقهم العادات والتربية). وقد ورد عنه قوله الشهير، (بالفطرة، الناس متقاربون، وإنما تفرقهم الممارسة)، مما يدل على اعتقاده أن الاختلاف ليس في أصل العقل وإنما في التشكيل الثقافي والأخلاقي له. كذلك في الفلسفة البوذية، يُنظر إلى الذهن (العقل بمعنى mind) كقدرة موجودة لدى جميع الكائنات يمكن أن ترتقي إلى الاستنارة، فالجهل والأوهام عوامل مشتركة تعتري العقل البشري في كل مكان، وطريق التحرر عبر التأمل والحكمة مفتوح لأي إنسان بغض النظر عن ثقافته. هذا تأكيد آخر على كونية بنية الإدراك مع الإقرار بأن كل فرد (أو مجتمع) قد يغرق في تصورات مشروطة ببيئته. وفي الفكر الحديث أيضًا، تناول باحثون مسألة اختلاف العقليات بين الشعوب دون المساس بوحدة العقل، يتحدث علماء الأنثروبولوجيا وعلم النفس أحيانًا عن (عقلية غربية) تحليلية مقابل (عقلية شرقية) كلية في معالجة الأمور، لكن هذه الفوارق تُعزى إلى الخلفية التعليمية والاجتماعية لا إلى اختلاف جوهري في القدرات الذهنية. فالجميع يمتلكون نفس الآليات العقلية الأساسية كالاستدلال المنطقي والفهم التجريدي، لكن تفعيل هذه الآليات وصقلها يتشكلان عبر التراث المعرفي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *