عبد الخالق محمود في (مراثي الشمس) السواد والفجيعة

عبد الخالق محمود في (مراثي الشمس) السواد والفجيعة
حينما كلفني الشاعر الراحل عبدالخالق محمود برسم غلاف مجموعته الشعرية (مراثي الشمس) استغرق ذلك منا عدّة جلسات، كان يقرأ الشعر...

حينما كلفني الشاعر الراحل عبدالخالق محمود برسم غلاف مجموعته الشعرية (مراثي الشمس) استغرق ذلك منا عدّة جلسات، كان يقرأ الشعر لي فيها مساءً، حينما يكون منتشياً ليس بفعل قراءة الشعر وحدها، وكنت أستمع إليه بانتباه شديد. كنت استمع بعمق لأنجز غلاف مجموعته، ولأستمع بعمق يتيح لي تدوين ملاحظاتي عن شعره. كان يركّز على ما أسميته وقتها ( القصائد الملونة) وذلك لاعتقاده أنها الأقرب الى روح الرسم، بينما كنت أصغي الى قصائد الرثاء، هذا الغرض القديم للشعر والذي جعله عبدالخالق محمود غرضه الأساس في المجموعة، رثاء نفسه، من خلال رثاء الآخر. لم أتحدث معه عن القصائد كثيراً، احتفظت بملاحظاتي لنفسي عَلّني يوماً ما أكتب عنها، و بعد أن تشبعتُ بروح الرثاء، أنجزت الخطاطة، فكان عبدالخالق محمود شديد الفرح بها، لأنها كانت هي الأخرى تجسيداً لذلك الرثاء المزدوج الذي كرّسته المجموعة. لاأعلم أين استقرّ المقام بالخطاطة، فلم يبق منها سوى صورتها السلبية (النجاتيف) على غلاف مراثي الشمس). مرّت أعوام لم ألتقِ خلالها عبدالخالق محمود، وذات يوم التقت عينانا، كان هو يهمُّ بدخول مرآب ساحة أم البروم، وانا أهمّ بالخروج منه، لحظتها كنتُ قد اتخذتُ قراراً غريباً، هو الهروب من مواجهة عبدالخالق محمود، لم يكن ذلك القرار سوى ردّ فعل وهروب من هول الصدمة التي سبّبها لي (هيكل الموت) الذي تلبّس عبدالخالق محمود، كان حديثنا قصيراً، كنت خلاله فاغراً فمي، بينما كان عبدالخالق محمود لحظتها يحمل أوراق التحاليل المرضية بيديه، كنتُ ذاهلاً ومرتبكاً، وكنت حزيناً، بل كنت أبكي في داخلي وهربت. رحلتُ بعدها الى عمّان، وحين عدت الى النشر في صحيفة الزمان، خابرني صديقنا المشترك كرم نعمة وسألني عن حسين عبداللطيف وطالب عبدالعزيز وعبدالخالق محمود، فلم أكن أعلم ماالذي حلّ بعبدالخالق محمود فقلت لكرم: أعتقد أن عبدالخالق محمود قد مات، ولم أكن قد سمعت بموته، وسألني وقتها لماذا أعتقد ذلك..؟ فأجبته أنه كان في اللقاء الأخير العابر الذي ذكرته قبل قليل ليس أكثر من ميت يحمل أوراق أمل زائف بالحياة.

* مالك بن الريب

يصف الناقد ناظم عودة في كتابه( نقص الصورة…تأويل بلاغة الموت) علاقة المرثيّ بنصّ المرثية، بأنه غالباً ما تتمّ إزاحة الراثي خارج فاعلية الحدث، فيهيمن لسان المرثية دوماً بوصفه وثيقة من وثائق المرثيّ، وربما آخر وثيقة، وقد تضخّمت هذه الإزاحة فكان التعويض هو الخطوة الأولى بإتجاه الهيمنة على لسان المرثية من لدن الراثي نفسه، فكان أهمّ نموذج انشقاق على معيار المرثية هو (مالك بن الريب) الذي أراد أن يصوغ لسان مرثيته بنفسه، فهيمن على القوى الثلاث، فكان هو الراثي والمرثي ولسان المرثية. وكذلك هيمن عبدالخالق محمود على قوى المرثية الثلاث في (مراثي الشمس)، فكان خطابه في جوهره رثاء يبثّه عن نفسه كما هو عن الآخر:

مرّة أخرى التقينا

أنتِ في تابوتكِ المحمول فوقي،

وأنا الضائع في أرضٍ حزينة

وبذلك يتقنّع عبدالخالق محمود دور مالك بن الريب في الرثاء، فيجعل (مراثي الشمس) مراثيَ لنفسه أثناء حياته، وهاهي الآن مراثٍ لعبدالخالق محمود بعد وفاته، فقد كان عبدالخالق محمود يستغل مناسبة رثائه لأمّه ليرثيَ نفسه.

* القصائد الملوّنة

(البدء بالسواد والإنتهاء بالفجيعة)

كان عبدالخالق محمود يحاول إلقاء، وإعادة إلقاء قصيدة (ألوان الظهيرة المائية) باعتبارها (نصّاً تشكيلياً بَصَريّاً)، وكنتُ أوافقهُ على ذلك، فقد كان يبني ذلك النصّ على باليتة تبتدئُ باللون الأبيض (=الحياة)وتنتهي بالأسود(=الحزن=الموت)مروراً بأطوار استحالة لونية تشكّل ضربات تنتقل من الأبيض (تجيءُ الظهيرةُ بيضاء) ولون محايث ظلِّيّ لذلك البياض هو النهار وشمس الظهيرة وشموس، ثم الأخضر (تجيء الظهيرةُ خضراء) وظلّ الأخضر هو المراعي، أودية، حقول. ثم الأزرق (تجيء الظهيرةُ زرقاء) وظلّ الأزرق سماء، بحار، لازَوَرد. ثمّ الأحمر (تجيء الظهيرةُ حمراء) وظلّ الأحمر وهو جمرة ، حرائق، دماء. وأخيراً الأسود (تجيء الظهيرةُ سوداء) وظلّ الأسود وهو حزن مقيم، أفريقيا، جحيم، رماد. بينما يبثّ عبدالخالق محمود ألوانه خفيّة في قصيدة (موت الأمير)، حيث تمرّ الألوان كأطياف رمزية:

نامَ الأميرُ النومة الأخيرة( = الموت)

محتضناً أحزانه وحبَّه( أحزان، حب ميت)

في ليلة شاحبة مقرورة (ليل)

نجومها عمياء  (نجوم دون ضوء)

وتجتمع في المقطع الثاني الخضرة (عصفورة خضراء) والأمل الأخضر (انتهت غربتك المريرة) بالبياض (الوردة البيضاء)، وتختلط في المقطع الثالث الألوان بطريقة مشوشة كالأزرق (عطرها الزرق كالسماءْ) والموت الأسود (نومته الأخيرة) وحبّه الميت (أحزانه وحبّه) ثم حندس الليل (ليلة أقمارها سوداءْ). إلاّ أنّ الأمل قد يجيء ملاكاً أبيض (قد عاد روحاً حرّة). وكذلك في (ثلاثية….) نجد الألوان مبثوثة أما بشكل صريح (بيضاء، البيضاء، حمراء ، سوداء)، أو بشكل مضمر (دم=أحمر، الموت=أسود). وكذلك في (لست وحدك) وهي قصيدة مهداة الى شاعر الألوان الإسباني لوركا، حيث يظهر اللون صريحاً، دونما مواربة حيناً: خضراوان، سوداء، وحيناً بشكل مضمر: عشب (=أخضر)، أفق مُضاء (=أصفر)، السماء (=أزرق)، الدماء (=أحمر)، الليل (=أسود). كلما اقتربنا من نهاية (مراثي الشمس) يبدأ الشاعر عبدالخالق محمود باختزال باليتة ألوانه ففي (هاملت يصحو) نجد صورة غير ملونة (بالأسود

والأبيض) يملؤها: الحزن، الأسى، الضياع، الليل، الموت، مأتم، مغترب، المساء.. وكلّها ذات طبيعة سوداء، بينما يجيء الأبيض بقعة يتيمة: أوفيليا البيضاء، وهي ملطّخة ببقعة حمراء تحتل أرضية المسرح: يغرق في الدماء، دمنا المسفوح. حالما نقترب من نهاية (مراثي الشمس) يصطبغ النصّ في آخر قصائد المجموعة بالأسود، منذ عنوان آخر قصائده (الغراب) (=السواد) نواجه: الليل، رماد، ذبول(=السود) ويتصاعد الظلام ليغطي المشهد برمّته في آخر مقطع من الديوان من قصيدة (الغراب):

في غدٍ…

كلّ لونٍ سوادْ

في غدٍ..

يستريح من التعب المُرّ

هذا الفؤاد

وبذلك يمتزج سواد الألوان بالموت الأسود المرّ فتكون (مراثي الشمس) قد ابتدأت بالأسود ابتداءاً من غلافه (الصورة = النيجاتيف) وانتهت بـ(الغراب) حيث اختتم بالسواد والموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *