تتعرض مصطلحات والفاظ المفاهيم الفكرية والاجتماعية على مدار القرون لتبديل مداليلها ومعانيها التي وضعت لها لأسباب وتحولات اجتماعية وسياسية في حياة الأمم والدول . ولهذا يهتم علماء الاصول بمعرفة زمن صدور الاحاديث التي حملت الالفاظ والمصطحات التي تحدد الاحكام والمفاهيم الإسلامية . ومن تلك المصطلحات كلمة السياسة .
حيث سئل رجل الأمام الحسن عليه السلام ما السياسة ؟
فاجابه :
( هي أن ترعى حقوق الله ، وحقوق الاحياء ، وحقوق الأموات ، فأما حقوق الله فأداء ماطَلَبَ والاجتناب عما نهى ، واما حقوق الأحياء : فهي أن تقوم بواجبك نحو اخوانك ، ولاتتأخر عن خدمةِ امتك ، وأن تخلص بولي الأمر ما اخلص لأُمته ، وأن ترفع عقيرتك في وجهه اذا ما حاد عن الطريق السوي ، واما حقوق الاموات فهي أن تذكر خيراتهم وتتغاضى عن مساوئهم ، فإن لهم ربا يحاسبهم ) . المصدر . مناقب آل ابي طالب لإبن شهر آشوب . ففي هذا الاثر المبارك للأمام الحسن صلوات الله وسلامه عليه حدد الأمام حدود معنى السياسة ولخصها بحقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الأموات. ثم فصل قليلا بالنقاط التالية
- حق الله أداء الواجبات والاجتناب عن النواهي .
- حق الأحياء خدمة الإخوان وعدم التقصير في حقهم ، والاخلاص بالولي بمقدار اخلاصه للامة والوقوف امامه اذا انحراف عن الطريق السوي .
- حق الأموات وهو ذكر أفعالهم الحسنة والتجنب عن ذكر مساوئهم .
هذا الحديث الشريف للأمام الحسن عليه السلام حدد مفهوم السياسة في الاسلام وفصلها بصورة موجزة . وقد شمل العبادات والمعاملات والاقتصاد الذي هو جزء من المعاملات . وشمل كذلك جانباً من شؤون الحكم والحاكم والرعية وجانباً من الحياة الاجتماعية وهو حقوق الاخوان وحفظ كرامة الاموات من خلال ذكر محاسنهم والتجنب عن ذكر مساوءهم . وعليه فأن مفهوم السياسة في الاسلام مفهوم واسع شمل الجانب العبادي والاقتصادي والاجتماعي وشؤون الحكم الحاكم ووظيفة الرعية تجاهه. وبعد التحولات السياسية والفكرية والعقائدية في تاريخ الامة انحصر مفهوم السياسة فی العرف الاحتماعي في ممارسة شؤون الحکم والحکام . وانحصر في الجانب السلبي من الحکم وهو الخداع والغدر والكذب وتتبع عثرات الخصوم لأجل إسقاطهم . حتی صار العرف يفضل عدم تدخل علماء الدين بالسياسة باعتبار ان علماء الدين هم من طبقة فضلاء الامة فلاینبغي لهم ممارسة السياسة لان السیاسة صارت بنظر العرف عملاً سيئاً لایناسبهم . ان العرف الاجتماعي بعد ان استجد عنده مفهوم السياسة وابتعد عن مفهوم السياسية بمعناه الاعم الذي تناوله حدیث الامام لاسباب لامجال لذكرها ، وبعد حصره في الخداع والمكر وقع في مفارقة عجيبة . وما اكثر المفارقات فی الاعراف الاجتماعية . والمفارقة هي ان العرف الاجتماعي يدعو علماء الدين بالابتعاد عن السياسية والسياسيين باعتبار ان علماء الدين فضلاء الامة فلایناسبهم ممارسة السياسة لانها قذرة . وفي نفس الوقت يطالب العرف العلماء بالوقوف امام السیاسیین الظلمة والفاسدين وفضح سیاستهم السيئة . الوقوف ضد السياسين والحكام الظلمة هو في الحقیقة عمل سياسي و ممارسة سياسية . ويعني ذلك ان العرف الاجتماعي یدعو علماء الدين بممارسة السياسية وبعدم ممارستها في آن واحد ويضع العلماء في حيرة من امرهم ، هنالك مجتمعات تجاوزت هذه الحالة . فممارسة علماء الدين للامور السياسية مسألة عادية عندها.
المطلوب منالنخب الفكرية والاعلامية تثقيف الامة علی المفاهيم الاسلامية . فالنخب يمكن ان یؤدوا دوراّ فاعلاً في تصحيح المفاهيم و الاعراف الاجتماعية غير الصحيحة . وتثقيف الامة علی المفاهیم والقيم الصحيحة .


