الكاتب الواهم يريد أن يصل إلى عمق الذات، إلى حالة من الانفصال عن الواقع الذي يبدو له محاصراً وضيقاً. هو يبحث عن مأوى في عوالم أخرى، حيث لا يقيده زمان ولا مكان، ولا تفرض عليه الحياة قوانينها الصارمة. في وهمه، يتحرر من قيود اللغة والمجتمع والسياسة، ليغوص في عوالم خيالية تلتقي فيها الحقيقة بالخيال، والمأساة بالسخرية، والوجود بالعدم.الكاتب الواهم يطرح تساؤلات وجودية تترك القارئ يتلمس معنى الوجود من جديد، فهو يريد أن يستثير الفكر، أن يجعلنا نعيد النظر في مفاهيمنا عن الحقيقة والواقع، أن يوقظ فينا الحيرة والشك. هو لا يريد أن يبعث رسالة جاهزة أو يستدر عاطفة محددة، بل يريدنا أن نشارك معه في رحلة البحث، رحلة التوهان التي لا تنتهي.ربما هو يحاول أن يكسر حاجز الصمت الذي يحيط بالكلمات، أن يجعل من الوهم أداة لفهم أعمق لما حوله وما بداخلنا. فالوهم عنده ليس مجرد هروب، بل هو فعل مقاومة، وشكل من أشكال التعبير عن الألم والحنين والغربة. هو يريد أن يدفعنا لنرى أننا جميعاً، في لحظات مختلفة، نعيش وهم الحياة، وأن في هذا الوهم هناك مساحة للحرية والخلق والمعنى.هكذا، يكون الكاتب الواهم صوتاً للحيرة والبحث، وجسراً بين عالمين، يحاول أن يعبر بهما إلى ما وراء الظاهر، إلى الحقيقة المختبئة خلف ستار الوهم. في علم النفس، يُنظر إلى الوهم أحيانًا كحالة مرضية، يعكس اضطرابًا في إدراك الواقع. فرويد تحدث عن “الوهم كآلية دفاع نفسي”، حيث يلجأ الفرد إلى خلق عوالم وهمية لتجنب الألم النفسي أو الصراع الداخلي. هو بذلك يحاول أن يحمي نفسه من الصدمات أو الإحباطات التي قد لا يستطيع تحملها في الواقع. الوهم يصبح حينها ملجأً مؤقتًا، لكنه قد يتحول إلى مرض مزمن يُبعد الإنسان عن مواجهة الحياة الحقيقية.الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط تحدث عن الوهم في إطار حدود المعرفة البشرية، مشيرًا إلى أن عقلنا يميل أحيانًا إلى تجاوز الحدود الواقعية ليختلق تصورات لا تستند إلى تجربة حسية حقيقية. هذا الوهم المعرفي قد يكون مضرًا لأنه يعمي الإنسان عن فهم الواقع كما هو، ويغرقه في متاهات لا نهاية لها من الأوهام التي تحاصره.أما عالم النفس إريك فروم، فقد رأى أن الوهم يمكن أن يكون تعبيرًا عن الاغتراب النفسي، حيث يشعر الإنسان بالعزلة عن ذاته وعن مجتمعه، فينشئ عالماً وهميًا يملأ به الفراغ النفسي. هذا المرض الروحي يعكس أزمة وجودية حقيقية، لا تقل خطورة عن الأمراض الجسدية.وفي الفلسفة الوجودية، سار جان بول سارتر أبعد من ذلك حين قال إن الإنسان محكوم عليه بالوهم لأنه يعيش في حالة قلق دائم من حرية الاختيار والعبثية. الوهم هنا ليس فقط مرضًا، بل هو حالة إنسانية وجودية، يتجلى فيها الصراع بين الرغبة في المعنى وبين فراغ العالم.أما في الطب النفسي الحديث، فإن الوهم (Delusion) يُعتبر أحد أعراض الاضطرابات الذهانية، مثل الفصام، حيث يفقد المريض القدرة على التمييز بين الواقع والخيال. هذا الوهم المرضي يكون متشددًا وثابتًا، ولا يقبل النقاش أو التعديل، مما يعزل الإنسان عن محيطه ويعيق تفاعله مع المجتمع.والوهم، سواء بوصفه مرضًا نفسيًا أو حالة فكرية، هو حالة إنسانية معقدة تعكس هشاشة الإنسان أمام واقعه، ورغبته العميقة في خلق معنى وسط عالم يبدو غامضًا وباردًا. في هذا المرض، في هذا الوهم، تتجسد معاناة الروح الإنسانية ورغبتها في النجاة من صدمة الوجود، لكنها أيضًا خطر يهدد بفقدان الاتصال بالحقيقة والواقع،الكاتب العراقي الواهم يعيش هذه الحالة بأبعاد مختلفة، فهو لا يقتصر على الوهم كمرض نفسي أو نزوع فكري فقط، بل يختبره كمعاناة وجودية وكمأساة وطنية. في نصوصه، يتبدى الوهم كأداة تمزيق الذات بين واقع صارم يفرضه الحصار السياسي والاجتماعي، وبين حلم متقطع يتردد بين الذاكرة والأمل المكسور.الواهم العراقي يعبر عن هذا الوهم عبر لغة تشبه النداء المختنق، عبر مشاهد تتأرجح بين التشظي والهذيان، حيث يصبح الوهم نوعًا من الهروب من الحزن الثقيل الذي يثقل الروح العراقية، لكنه في الوقت نفسه مرض يلتهم الفكرة، يغتال الانتماء، ويعمق الغربة داخل الجسد والذاكرة. هو وكأنه يحمل على عاتقه تاريخًا من الخيبات، وحروبًا لم تنته، وهو يكرر كابوساته في نصوصه كما لو كانت محاولات لعلاج الجرح، لكنها تبقى نكوصًا في الهاوية.على طريقة الشاعر مظفر النواب الذي قال:
“الوهم يا صاحبي…
هو آخر ما بقي لنا من وطن.”
الواهم العراقي يرى في الوهم مرآة متكسرة تعكس صورة وطن مقطعة ومشتتة، لكنه في ذات الوقت، تلك المرآة تمنحه فرصة لتخيّل عالم مختلف، عالم لا تلتهمه الحروب ولا تقيده الحدود. لكنه يدرك أن الوهم في هذا السياق ليس مجرد مرض نفسي، بل هو حالة جماعية تنشأ من احتراق الحلم السياسي والاجتماعي، من الانكسار الجماعي الذي يحول الإنسان العراقي إلى نسخة منهكة من ذاته.ويصبح الوهم عند الكاتب العراقي الواهم معادلًا مرضيًا لكابوس الواقع، لكنه كذلك فعل مقاومة، وصوتًا صريحًا لألم لا يقال، وصرخة أخيرة في وجه غياب العدالة والحرية. هو ذلك المرض الذي يجعل الكاتب يعيش في حالة تداخل مستمر بين اليقظة والنوم، بين الحقيقة والخيال، بين الاستسلام والتمرد، مما يعطي نصوصه قوة استثنائية في التعبير عن تجربة الإنسان العراقي المعاصر بكل تناقضاته ووجعه.
1. مظفر النواب – الوهم والمرض الوطني
في شعر مظفر النواب، تجد الوهم ليس مجرد هروب شخصي، بل مرض جماعي يعكس مأساة الوطن. في قوله:“الوهم يا صاحبي… هو آخر ما بقي لنا من وطن”
يتجلى الوهم كملاذ أخير بعد أن فُقدت الأرض، وكأنه صرخة على فقدان الذات الوطنية. النواب يعكس كيف يتحول الوهم من أداة دفاع نفسي إلى حالة وطنية من الانكسار والاغتراب، حيث يصبح المرض متلازمًا مع التاريخ السياسي والاجتماعي.
٢. عبد الوهاب البياتي – الهذيان في ظل الحصار!!
البياتي في قصيدته التي تحكي عن الحصار والمعاناة يختزل حالة التمزق النفسي:
“وأنا أتحدث إلى نفسي، أتكلم بأصوات مختلطة… هل أنا أم هل هذا صوت الوطن الذي ينادي؟”
هذا المقطع يعكس حالة اضطراب الهوية بين الكاتب والواقع المحيط، حيث الوهم والهذيان من أعراض هذا الاضطراب، وصوت الذات يتداخل مع صوت الوطن، ما يجعل الوعي بحقيقة الواقع صعبًا، وحالة المرض النفسي ناتجة عن الصراع بين الذاكرة والواقع الممزق.
3. غائب طعمة فرمان – الوهم كعزل داخلي
في روايات غائب، كثيرًا ما تتناول شخصياته الوهم كعزل داخلي عن المجتمع والذات، فيقول أحد أبطال رواياته:“أعيش في سراديب من الوهم، أبتعد عن كل ما يشبه الحقيقة، حتى لا ألمس وجعي.”
الوهم هنا هو درع يحمي من الألم ولكنه في الوقت نفسه سجن يحبس الذات، وهو صورة مرضية تعكس حالة انفصال الشخصية عن واقعها، مما يعكس تشظي الهوية العراقية في أزمات متكررة.
٤. شعر فاضل العزاوي – الصراع بين الوهم والواقع!!
في قصيدته التي تتناول العذاب النفسي، يكتب:“أنا بين وهمين، وهم الحقيقة وهم النسيان،
أرتمي بينهما كطفل تائه في صحراء العمر.”
هذا التوتر بين الوهم والواقع يعكس المرض النفسي الذي يجعل الفرد يعيش في حالة من التردد الدائم، بين ما يريد أن يؤمن به وما هو مفروض عليه من واقع قاسي، حالة شديدة من القلق الوجودي.
هذه النصوص تجسد حالة مرضية معقدة، حيث الوهم ليس مجرد حالة نفسية فردية، بل حالة مركبة ترتبط بالاغتراب السياسي والاجتماعي والثقافي. وهي في نصوص هؤلاء الأدباء تظهر كصورة مكثفة للصراع بين الذات والوطن، بين الحلم والحقيقة، وتتحول إلى مرض يلتهم الأمل لكنه أيضًا ينبوع للقصيدة والرواية والنص.الكاتب العراقي الواهم، في هذا السياق، لا يهرب فقط من واقعه، بل يعاني من مرض الوطن نفسه، ويستخدم الوهم كآلية لتجاوز الألم، أو كصرخة احتجاج على واقع لا يحتمل.الوهم، كما جسده الأدب العراقي، هو أكثر من مجرد مرض نفسي أو نزوع فكري؛ إنه مرآة لانكسار الوطن والذات، وصراع مستمر بين الرغبة في التحرر من الواقع المرير وبين ثقله الذي يسحق الأحلام. الكاتب العراقي الواهم يعيش في هذا التداخل الموجع بين الحقيقة والخيال، بين الألم والأمل، متحولًا إلى شاهد صامت على مأساة وجودية وجغرافية، حيث يصبح الوهم مرضًا جماعيًا يعكس عمق الجرح واشتداد الغربة. وفي هذا المرض، وبين ظلال الوهم، ينبعث صوت الإبداع كمقاومة، وصدى للذات التي لا تستسلم رغم كل شيء، فتظل الكلمة آخر منارات النور في عتمة الألم.


