٠٠٠٠كأننا، في هذا الركن المبتلى من العالم، نبحث عن بهجة مؤقتة تبرّر أعمارنا المنهكة، فنلوذ بالمهرجانات، نرفعها إلى مصاف الاحتفال الجمعي بالخلاص، أو نعدّها طقوساً لستر فواجعنا اليومية. لكن، هل بمقدور المهرجانات أن تخلق وعياً جمالياً؟ أم أنها، كما تُقام عندنا، محض استعراض أجوف، يُطحن فيه الذوق وتُغتال فيه روح الفن الحقيقي؟الفنان الألماني برتولد بريخت كان يؤمن أن الفن لا يكفي أن يُمتع، بل عليه أن يُفكّر، أن يُقلق الراكد، ويوقظ الغافل. والمهرجان، في جوهره، مناسبة اجتماعية-ثقافية لاختبار الذوق العام، لعرض الجمال في أكثر صوره تنوعاً وصدقية. لكن، حين يتحوّل إلى مهرجان لصور الساسة على منصاته، وأحاديث المجاملات المكرورة، فماذا يبقى من الجمال سوى ظله الخافت؟!
ننظر إلى تجارب عالمية، إلى مهرجان أفينيون الفرنسي، الذي كان ولا يزال منبراً لتجريب المسرح وتقديم النصوص الجريئة. كيف حوّل مدينة صغيرة إلى عاصمة فكرية لفترة وجيزة من كل عام، فتح فيها الجمهور عينيه على أساليب عرض جديدة، وقراءات فكرية مثيرة، وجماليات تشكيلية تتحدى المألوف. أليس هذا وعياً جمالياً يُصاغ بالتكرار والتنوع والتفاعل؟!
محمود درويش قال يوماً: “القصيدة التي لا تغيّر شيئاً، تافهة”. فماذا عن مهرجان لا يغير شيئاً؟ لا يضيف ولا يهزّ وعياً، لا يحرك ذائقة، بل يكتفي بدور البهرجة السريعة؟!
إن وعينا الجمالي لا يُصنع في القاعات المغلقة ولا في الليالي الباذخة، بل يتطلب تراكمات يومية، تربية على التلقي، تعليماً يرى في الفن حاجة لا ترفاً. ولعل ما قاله أوكتافيو باث يصلح جواباً: “إن الجمال لا ينتمي للماضي ولا المستقبل، بل للحظة التي تصفع وعينا وتجعله يرى”فهل مهرجاناتنا تصفع وعينا؟ أم تدغدغه كي ينام؟!
الوعي الجمالي لا يولد في التصفيق، بل في الأسئلة التي تُطرح بعد أن يُغلق الستار، في تلك الحيرة التي ترافقنا ونحن نغادر مقاعدنا. مهرجاناتنا بحاجة إلى إعادة نظر، ليس في شكلها أو مكانها، بل في جوهرها، في نواياها، في قدرتها على فتح عيوننا المغلقة… على الجمال الذي ما زلنا نجهله.إنّ المهرجانات، كما نفهمها في سياقاتها الأصلية، ولِدت من رحم الاحتياج الإنساني للتعبير، للتطهير، كما عند الإغريق في مسارحهم التي كانت تُقام طقوسياً لإرضاء الآلهة، ثم تحوّلت إلى وسيلة لفهم الذات والعالم. أما نحن، فغالباً ما نقيم مهرجاناتنا لنرضي بها أنفسنا فقط، أو نخادع بها وعينا، متوهمين أننا نقوم بفعل ثقافي، فيما الحقيقة أننا نعيد إنتاج العجز والسطحية بطريقة مُزخرفة.حين يسألني أحدهم: “ما فائدة هذه المهرجانات إن لم تُنقذ جائعاً أو تُواسي مكسوراً؟”، أقول: فائدة الفن والمهرجان ليست في الإطعام المباشر، بل في بناء الحس، في خلق ذلك الشعور العميق بالآخر، وتربية الذائقة على التمييز بين القبح والجمال، بين الصدق والتصنع. وهذا ما قاله بيكاسو: “الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية”، فكيف يكون هذا الغبار قد زال إذا لم يُشعل فينا الفن شعلة الحيرة، ويدفعنا نحو طرح الأسئلة الكبرى؟
كثير من مهرجاناتنا تفشل لأنها تبدأ من الخارج، من الديكور، من البروتوكول، من الولائم، لكنها لا تبدأ من السؤال: لماذا نقيم هذا المهرجان؟ ما الذي نريد تغييره؟ من هو جمهورنا؟ وما الرسالة التي سنزرعها في ذاكرته الجمعية؟
حين غنّى مارسيل خليفة قصائد درويش، لم يكن يقيم حفلاً، بل كان يؤسس لوعي جديد بالمقاومة، بالجمال، بالحب في زمن القسوة. وحين نُقيم مهرجاناً لمجرد التقاط الصور، فإننا لا نمنح جمهورنا إلا ضجيجاً مؤقتاً وسراباً من المعاني.
الوعي الجمالي لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُصنع ويُهذّب ويُغذّى. والمهرجان، في أقصى معانيه، ليس ترفاً بل فعل مقاومة، ضد القبح، ضد الرداءة، ضد التكرار الممل الذي يغتال الروح. كما قال ت.س. إليوت: “الشعر ليس هروباً من العاطفة، بل هروباً إلى العاطفة”، كذلك المهرجان الحقيقي، هو هروب إلى الجمال، لا منه.فيا من تصنعون المهرجانات، لا تزينوا المنصات فقط، بل اجعلوا من المنصة أداة للصدق، ساحة للجدل، مكاناً يعيد تشكيل الروح، ويرفع الذائقة من سطحيتها، لتصبح قادرة على أن ترى، وتفهم، وتستنكر، وتُحب.الجمال، في نهاية الأمر، موقف.والمهرجان، إمّا أن يكون خندقاً لهذا الموقف… أو لا يكون!!.


