منذ أن أعلن الشعر العربي تمرده على العمود، وانطلقت موجة الحداثة في خمسينيات العراق، بدا وكأن القصيدة وجدت لنفسها لسانًا جديدًا وملعبًا حراً، يسمح لها أن تلبس قناع المأساة تارة، وقناع الرؤيا تارة أخرى. السياب وهو يكتب “المومس العمياء”، لم يك بعيدًا عن خشبة مسرح داخلي تتصدع عليه الذكريات والكوابيس والمخاوف. نازك في “الكوليرا”، صنعت مشهدًا هائلاً من الألم الجمعي، بكورال يشبه صراخ الجوقة الإغريقية. بلند الحيدري، بتمرده الهادئ، شق طريقًا غامضًا في مسرح الذات. رشيد ياسين بشِعره العاري، ولميعة بضحكتها المرة… كلّهم كتبوا وكأن المسرح يعيش في ضلوع القصيدة، لكن لم يُولد على الورق إلا بوصفه ظلًا، لم يتحول يومًا إلى نصٍ مسرحي مكتمل.لم يكتب السياب مسرحية. لم تغامر نازك بتجربة حوار درامي. بلند ظل يكتب كمن يهمس في كهف. لماذا؟ السؤال هنا لا يُجاب عنه بوثائق جامدة، بل بحاجة إلى استنطاق جيل كامل، وكأننا نقف أمام خشبة خالية، والجمهور ينتظر ممثلًا لم يصعد. الشاعر العراقي، كما يبدو، كان يرى في الشعر خلاصًا فرديًا لا يحتمل التمثيل. كان المسرح عنده أمرًا خارجياً، مسرحًا يحتاج جمهوراً، بينما القصيدة تنادي في العتمة من دون وسطاء. ثم إن الواقع السياسي الضاغط، والتجربة الوجودية التي عاشها هؤلاء الشعراء، جعلتهم يكتبون كمن يصرخ في بئر، لا كمن يؤدي على منصة.في مصر، ولد المسرح الشعري على يد شوقي ثم تضخم مع صلاح عبد الصبور، الذي آمن أن الكلمة يمكن أن تُجسّد، أن الشعر لا يفقد هيبته حين يُنطق على لسان ممثل. أما في العراق، فقد كانت الكلمة تُكتب إما خائفة، أو معتدة بذاتها حد النرجسية، أو مغمسة بالسياسة حدّ الاختناق، ولم تتوفر تلك المسافة بين الكاتب والمكتوب، بين الذات والنص، التي يُبنى فيها المسرح.
وهناك أيضًا عامل آخر: لم يكن هناك جمهور مسرحي حقيقي يتذوق الكلمة الشعرية على المسرح. لم يكن ثمة تقليد، ولا فضاء ثقافي يحتضن هذا النوع من المغامرة. فبقي الشعر في العراق مسرحًا داخليًا، تنعقد فيه المشاهد داخل الرأس، وتنتهي في القصيدة. لا مخرج، لا ديكور، لا خشبة.
ربما لو عاش السياب أكثر، لو نجا من أوجاعه المزمنة، لكتب مسرحية عن “الألم” وجعلها معلقة جديدة. وربما نازك، لو تجاوزت عزلتها النفسية، لأعطتنا ملكة شعرية على الخشبة. لكن الزمن لم يسمح، والخيال ظل يطوف حول الكلمة لا حول الجسد.
فبقي المسرح يتيمًا في حضرة شعراء الحداثة العراقيين ولعل الأمر لا يتعلّق فقط بالمسرح كجنس أدبي، بل بنظرة جيل الخمسينيات العراقي إلى “الخشبة” بوصفها فضاءً هشًا، لا يحتمل عمق الجراح التي يحملونها. لم يكن المسرح بالنسبة لهم مجرد بناء درامي، بل سؤال وجود. والسياب حين يكتب عن الغربة، لا يبحث عن مشهدية، بل عن عزلة تتسلل إلى خلايا اللغة، عزلة لا تصلح للعرض، لأنها تُكتب لتُبكى، لا لتُصفق لها. أما بلند، فقد كان غاضبًا أكثر من أن يمثل، ونازك كانت جادة حد التخشب، عزلتها اللغوية لم تكن تسمح لها بأن تهبط من برج القصيدة إلى أرض الخشبة. ولميعة، رغم قدرتها على السخرية واللعب، لم تخرج عن نبرة الشجن الذي لا يُترجم إلا في بيت شعر لا يحتمل التقسيم إلى أدوار.يبدو أن القصيدة عندهم كانت المسرح، وكانت المشهد، وكانت الصالة والجمهور معًا. القصيدة بكل تقنياتها الجديدة — التدوير، الكثافة، الإيقاع الداخلي، الصورة المركبة — كانت بالنسبة لهم البديل الحقيقي عن كل أشكال التعبير الأخرى. لم يروا في المسرح إلا شكلًا مستعارًا لا ينتمي إلى تجربتهم الوجودية.ثم إن جيلهم كان مطاردًا أيضًا بالسؤال الأخلاقي والوطني. كان الشاعر مطالبًا بأن يكون ضميرًا، لا مؤديًا. وكان المسرح يُنظر له كفن استعراضي، بينما القصيدة كانت “الاعتراف”، وكانت “البلاغ الثوري” و”المرثية الجماعية”. في مناخ كهذا، يُصبح من المنطقي ألا يكتبوا للمسرح، لا لأنهم لا يستطيعون، بل لأنهم اختاروا أن يبقوا في الظل، حيث يتغذى الشعر من العتمة، لا من الأضواء.في المقابل، صلاح عبد الصبور في مصر، وجد في المسرح امتدادًا طبيعيًا لشعره، لا نقيضًا له. شعره كان يميل إلى التأمل الفلسفي، والحوارات الداخلية التي تصلح أن تُقال على لسان شخصيات. مصر كانت تملك جمهورًا متنوعًا، ومسرحًا له تقاليد، ودولة تشجع المسرح القومي. كان من الطبيعي أن يولد المسرح الشعري في القاهرة لا في بغداد، رغم أن بغداد تملك شعراء أكثر احتدامًا، وأكثر درامية من حيث التجربة.العراق بلد يُنتج شعراء مأساويين، لا مسرحيين. فحتى حين كتب العراقيون المسرح، كتبوه نثرًا. كتبوه بوجع، لا بأقنعة. لم يظهر من جيلهم كاتب مسرحي شعري يُعتد به. فظل المسرح ينتظرهم، وهم منشغلون بحروب اللغة، وصراخ الداخل، وخراب الجسد.ولذلك، حين نقرأ شعر السياب، نشعر أننا في مسرحية مكتوبة من الدم، لكنه لم يكتبها كمشهد، بل كأنين.
نازك، حين تصرخ في “أنشودة السلام”، كانت تحمل طاقة مشهد مسرحي كامل، لكنها أغلقته داخل قصيدتها، دون أن تفتحه لجمهور.ربما كان المسرح، بالنسبة لهؤلاء، مكشوفًا أكثر من اللازم، ساطعًا أكثر من أن يحتملون. فبقوا في ظل القصيدة، حيث الصمت مسموح، والصرخة لا تحتاج وجهًا، فقط وزنًا ومعنى.لكن السؤال لا يموت هنا. إذ يمكن أن نتخيل: ماذا لو كتب السياب مسرحية؟ ماذا لو جلست نازك تكتب حوارًا بين موت وأمل، أو لو قررت لميعة أن تجعل من خيبتها قصة تُروى على المسرح لا تُقال في قصيدة؟ هذه الفرضيات ليست عبثية، بل ضرورية لفهم مدى الفراغ الذي تركه غيابهم عن المسرح الشعري. نحن لا نلومهم، بل نستفهم. لأن هذا الغياب كشف شيئًا كبيرًا: أن الشعر العراقي، في لحظة تحوّله الأعظم، خاف أن يتجسّد.ربما لأن أجسادهم لم تكن مهيأة لتمثيل ما تكتبه أرواحهم. أو لأن المسرح، في وعيهم اللاشعوري، هو نوع من التنازل. الشعر عندهم كان مملكة عليا، والمسرح ميدانًا قد يدوس فيه الآخرون على الكلمات.
السياب، حين كتب “منزل الأقنان” أو “المومس العمياء”، كان يرسم شخصيات، يصنع حوارًا داخليًا، يبني مشاهد كاملة، لكنه كان يستبقيها في القصيدة، كأنها رهينة. لم يكن مستعدًا أن يفلتها من سلطة الوزن والمجاز. تلك هي عقدة الشاعر الذي يخاف أن يفقد الشعر إذا أطلقه يمشي على قدميه.وما يُدهشك أكثر أن هذا الجيل، رغم كل صراعاته السياسية، لم يكتب مسرحًا مقاومًا، ولا مسرحًا رمزيًا، كما فعل السوري سعد الله ونوس لاحقًا. وكأن القصيدة عندهم كانت كافية لتحمل كل العبء — الوطني، الوجودي، الجمالي. فحملوها أكثر مما تحتمل، حتى انفجرت الحداثة الشعرية بين أيديهم، ولم تولد منها مسرحية واحدة.المسرح كان ولا يزال سؤال الجسد، بينما كان هؤلاء الشعراء يعيشون في رؤوسهم، في تأملاتهم، في جراحهم المعنوية التي لم تجد ترجمة في الحركات والإيماءات. الجسد عندهم غائب، مجروح، منفي. من سيقف على خشبة وهو يعاني من السل، أو من نفي داخلي أشدّ من المنفى الجغرافي؟ من سيمثل، وهو مكسور أمام سلطة تعذّب القصيدة قبل أن تعذّب الجسد؟
المسرح يحتاج أن يتنفس… وهم كانوا يختنقون.!!
هذا هو جوهر المسألة: لم يكن غياب المسرح عنهم نقصًا في القدرة، بل كان فائضًا في الألم، وكأنهم اختاروا أن يكتبوا بأصوات محشورة في صدورهم، لا بألسنة ممثلين. لقد كتبوا وكأن لا أحد سيسمعهم، لذا لم يكونوا بحاجة إلى جمهور، ولا إلى خشبة، فقط إلى ورقة، ونافذة تطل على الضباب!!،


