ضمن إصدارات مؤسسة النيل والفرات صدرت تلك الرواية التي رشحتها للطبع المجاني لأهميتها بإستعراض أهم ماجرى بتاريخ العراق من أحداث بعد إحتلال الموصل من داعش ..تمكن د-مالك العظماوي من السرد المحكم لتداعي الأحداث بحبكة وإتقان وإستنفر بلغته كل الأساليب بالتشويق والترقب والتداعي لسرد الأحداث من اللقاء بلندن بالمؤتمر الاقتصادي حيث تسرد الرواية اللقاء بين شاب (فؤاد من البصرة) وفتاة (عفراء من الموصل) بجلسة عمل في لندن، وتتطور علاقتهما إلى علاقة غرامية ومن ثم موعد للزواج. علاقة الحب خطوة بخطوة من الإعجاب بفؤاد البصري بالمؤتمر بفكره وسلوكه ومشاريعه لبناء العراق ، ومن خلال عفراء المدهشة الجمال ودراستها لعلم النفس إكتشفت بإستدراج الأسئلة نجد ان الشاب يعاني من نقص بالحنان نتيجة تركه من قبل والدته (منتهى) لدى أبيه (سعيد) بسبب مشاكل بينهما، وتقوم بتربيته زوجة أبيه، كما أنه كان مصابا بأمراض شتى نتيجة الانهيار النفسي بسبب فقدان والدته، وشعوره بفقدان حنان الأمومة. كانت ترغب بمعرفة كل تفاصيل حياته بعد أن حلمت أنه الحبيب المناسب ..
وأثناء طريقهما بعد عودتهما من لندن، وهما متجهان الموصل، يجدان نفسيهما وجها لوجه مع عناصر تنظيم داعش، وبعد إساءة هؤلاء العناصر لـ (عفراء) يتشاجر معهم (فؤاد) ويقتادونه إلى السجن تمهيدا لقتله باليوم التالي.
يطلب من عفراء الاتصال بابن عمه ٥٠ قطعة ذهب و٥٠ قطعة أخرى من خاله الذي يسكن ببابل، ويقصد بقطع الذهب يريد رجالاً تساوي شجاعتهم وزنهم ذهباً، ويأتي الرجال ويحررون فؤاد من الحجز ويطردون داعش من الموصل بالتعاون مع أبناء المدينة. لكنه يصاب بضعف ببدنه يؤدي إلى وفاته، وتحزن عليه عفراء وتصاب بالجنون في نهاية المطاف.
نجاح السرد بالقدرة على الوصف :
إن سر نجاح العمل الروائي قدرة ومهارة كاتبه بالوصف والإسترسال وإلتقاط الصور وتداعيات الحدث يذكر العظماوي :(وفي هذه الاجواء المفعمة ببرودة الهواء وتساقط رشقات من المطر، هبطت الطائرة القادمة من العراق في مطار (هيثرو)، المطار الأكثر إزدحاما في العالم، ذو المساحة الشاسعة الذي لو دخله الإنسان أول مرة يحسبه مدينة بحالها حيث إنه يقع غرب لندن على مسافة لا تزيد عن إثنين وعشرين كليو متر من وسط المدينة وعلى طرف مدينة (هيلينجدون). وقد كان على متنها فؤاد النقاش ذو العينين العسليتين والوجه الحنطي المائل إلى البياض، رجل الأعمال الشهير الذي تبدو عليه حيوية الشباب والنشاط على الرغم من إقترابه الأربعين من عمره بقليل، نزل وفي أفكاره أشياء كثيرة عن بريطانيا التي إحتلت العراق يوما ما، فهي المملكة المتحدة، التي كانت دولة عظمى في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، كان يطلق عليها إسم الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وذلك بسبب كثرة مستعمراتها في العالم، وهي من أوائل الدول الاوربية التي انطلقت منها الثورة الصناعية.)
وحدة الموضوع والبؤرة المركزية :
إعتمد المبدع مالك العظماوي توظيف القضايا الوطنية في منهجية البناء السردي وكيفية النهوض بالواقع العربي:
(كانت خطته تبنى على تجمع أواتحاد رجال الأعمال العرب مع بعضهم من أجل أن يكونوا صوتاً واحداً في المؤتمر ومن ثم تقديم ورقته التي تحول البلدان العربية من مجرد مستهلك ٍومستوردٍ إلى بلدان منتجة ومصدرة، فكان مقتنعاً تماماً بوجود المقومات الأولية والأساسية لدى الدول العربية وما تحتاج إلّا لبعض التقنيات وتطوير مهارات الأيدي العاملة لديها لتصبح دولاً منتجة، وقد بنى أفكاره على هذا الأساس. ومن أجل ذلك كان مقتنعا بعملية التكامل بين البلدان العربية، وخصوصا بين النفطية منها كالعراق وليبيا ودول الخليج العربي والزراعية كالسودان ومصر وتونس، بحيث تتبادل هذه الدول مواردها الطبيعية فيما بينها ليصبح التكامل الاقتصادي قائماً على أساس المنفعة المتبادلة..)
أبو عفراء الذي تخلف عن الحضور إلى لندن فجاءت عفراء بدلاً وهي الفعالة بإدارة الشركات والإتفاقيات والمبيعات فأنابت عنه ، وبعد ختام المؤتمر إتصل بها ليعالج بالمشافي البريطانية ،هنا بقي “فؤاد ” محيراً هل يعود أم يبقى فضل البقاء وعدم تركها لوحدها وفرصة كبرى لمعرفة خصوصيات العائلة كبر هذا الموقف لدى أهلها .. شغف اللقاءات بين الحبيبين إستطاع الراوي أن يجسد تفاصيلة الحميمية ..
(ركز على ملامحها جيداً، فكانت ذات جمال أخاذ، فعيناها الواسعتان المكتحلتان بسوادٍ رباني، اذ كانتا يطلقان سهامهما على كل من شاهدهما، وشفتان ورديتان وأسنان ناصعة البياض يتناغم بياضها مع بشرة بضة شربت ماء نينوى وتنفست هواءها العليل.. وراحت عيناه تدوران متفحصتان وجهها وكأنه يبحث عن شيء ما، أويشبه إلى حدٍ ما من وجد ضالته فيها


